على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم) فالحديث مطابق للآية، وكون الأشعث بن قيس رضي الله عنه وقعت له قصة مع ابن عمه فحلف ذاك فنزلت الآية .. الخ .. ، هذا لا يؤثر في معرفة المعنى ولا يغير من الحكم شيئًا لا بتخصيص ولا بتقييد ولا برفع إشكال بوجه من الوجوه.
القسم ثالث: وهو ما يذكره السلف ويعبرون عنه بقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، ولا يقصدون به سبب النزول في الغالب، بل يعنون أنها: نزلت في هذا المعنى وأن هذا مما يدخل في عموم الآية وإن لم تكن نزلت فيه، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على صيغة سبب النزول.
مثاله: أن ابن عمر رضي الله عنه مر بالسوق ـ سوق المدينة ـ فأذن المؤذن فرأى الناس يغلقون حوانيتهم فقال: في هؤلاء نزلت (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (النور: من الآية37) ومعلوم أن الآية نازلة قبل ذلك بزمن طويل، ولم تنزل في هؤلاء، فالمقصود أنهم مما يدخل في عمومها. فالسلف كثيرًا ما يعبرون بهذا التعبير، يقولون: نزلت هذه الآية في كذا .. ولا يقصدون سبب النزول، ومثل هذا أيضًا لا يتوقف عليه فهم المعنى ولا يرتفع به الإشكال.
ومن أمثلته أيضًا: ما أخرجه البخاري في صحيحه في الرواية التي ذكر فيها نزاع الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه مع الرجل الأنصاري في شراج الحرة -مسيل الماء- فكان يأتي الماء (السيل المطر) من هذا المسيل إلى مزرعة الزبير بن العوام أولًا، ومزرعة الأنصاري خلفه، فالأنصاري يريد أن الماء يمر على مزرعة الزبير ثم لا يحبسه حابس، فينطلق مباشرة إلى مزرعته، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد الزبير إلى أن يسقي ثم يرسل الماء إلى جاره فقال له:"اسق -لا ضرر ولا ضرار- ثم أرسل الماء إلى جارك"فغضب الأنصاري وقال: أنْ كان ابن عمتك يا رسول الله. يعني (أنك حابيته) مع أن النبي صلى الله عليه وسلم رفق بالأنصاري، و إلا فمن حق الزبير أن يحبس الماء حتى يكتفي تمامًا، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال للزبير: (اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر) أي: أن هذا من حقك، لكن ما ذكره للزبير أولًا كان رفقًا بالأنصاري فلما أساء الأدب، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحق الثابت للزبير، فماذا حصل؟ يقول: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65) نزلت في ذلك يعني هذا مما يدخل في معناها وليس هذا هو سبب النزول.
القسم الرابع: وهو مما يحتاج إليه وإن كان المعنى لا يتوقف عليه تمامًا فهو دون الأول، لكن يبقى بعض الغموض وبعض الإشكال، فإذا عرف سبب النزول انجلى هذا الإشكال، فهذا مما نحتاج إلى معرفته.
مثاله:- قول الله عز وجل: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة: من الآية223) فقد يفهم منها البعض معنى لم يرده الله عز وجل، ويحتج بها على فعل لا يجوز، والمقصود واضح، فالله عز وجل يقول: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) لكن إذا عرفت سبب النزول، انتفى ذلك الفهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى امرأته مدبرة _ في موضع الولد _ جاء الولد أحول، فكذبهم الله عز وجل فقال: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة: من الآية223) يعني كل ذلك في محل الحرث، وأما غيره فلا يجوز؛ فهذا يزول به الإشكال لكن لا يتوقف عليه فهم المعنى.
كيف نعرف سبب النزول:
إذا نظرت في بعض كتب التفسير تجد مبالغة في هذا الباب، فبعض المفسرين يذكرون أشياء في أسباب النزول من غير اعتماد على روايات أصلًا، فيقولون سبب نزول الآية كذا وكذا، ولا يُدرى من أين جاءوا بها، وقد رأيت ابن عاشور في أول تفسيره ينعي على بعض المفسرين هذا الصنيع. .فما هي الطريقة الصحيحة لمعرفة أسباب النزول؟
(يُتْبَعُ)