فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 3128 من 53113

5/ دفع توهم الحصر: فمثلًا في قول الله عز وجل: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) (الأنعام: من الآية145) فذكر ثلاثة أشياء ولم يذكر باقي الأشياء المحرمة، كالأشياء الضارة، ولحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، مع أن الآية ظاهرها الحصر؟ فمن عرف السبب الذي نزلت الآية فيه انحل عنه الإشكال، وذلك أن المشركين في مكة كانوا يحللون أشياء ويحرمون أشياء كما قال تعالى: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:138) وقوله: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) (الأنعام: من الآية139) فرد الله عليهم أبلغ الرد، كأنه قال لهم الحلال ما حرمتم والحرام ما أحللتم، على سبيل المبالغة في الرد (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) (الأنعام: من الآية145) لا هذه السفسطة التي تحللون بها وتحرمون من عند أنفسكم.

6/ معرفة المبهم أو اسم من نزلت فيه الآية؛ وهذا قليل الفائدة والجدوى إلا في بعض الحالات القليلة، ومن هذه الحالات القليلة أن مروان بن الحكم حينما كان يخطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عهد معاوية إلى ابنه يزيد بالخلافة، وقال سنة أبي بكر وعمر فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: سنة هرقل وقيصر تجعلونها لأبنائكم. فقال مروان للحرس: خذوه، فدخل في بيت عائشة وهي أخته، فقال مروان على المنبر: هذا الذي أنزل الله فيه: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) (الاحقاف: من الآية17) فقالت عائشة من وراء الحجاب:"والله ما نزلت فينا وما نزل فينا شيء من القرآن غير عذري ـ يعني في قصة الإفك في براءتها رضي الله عنها ـ ولو شئت أن أسمي من نزلت فيه لسميته، فمعرفة من نزلت فيه الآية هنا مفيد لدفع تلك التهمة."

مراتب أسباب النزول من حيث الأهمية:

بقي أن أقول بأن معرفة هذه الفوائد ليس على وزان واحد من حيث الأهمية، فبعض هذه المعرفة أهم من بعض، وإليك بيان ذلك:

القسم الأول: أن يتوقف المعنى على معرفة سبب النزول, ولا تفهم الآية حتى تعرف السبب، وفي هذه الحال يكون معرفة سبب النزول في غاية الأهمية لأن التفسير يتوقف عليه، وهذا له أمثلة متعددة منها:-

أن الله عز وجل قال: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) (النور: من الآية33) والبغاء معروف: مصدر باغت الجارية بغاء فهي بغي، يعني: إذا زنت بأجرة، فهذه الآية لو بقينا مع ظاهرها (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) (النور: من الآية33) فمفهوم المخالفة أنها إذا لم ترد التحصن فلا مانع من إكراهها، وإنما الممنوع من إكراهها ـ في ظاهر الآية ـ هي الجارية الشريفة, وهل هذا هو المعنى؟!

الجواب: لا .. وإذا عرفت سبب النزول اتضح لك وجه هذا الشرط في الآية (إن أردن تحصنًا) وهو أن عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين كان له جاريتان، فأسلمتا، فكان يكرههن على البغاء، ويضربهن من أجل أن يتكسب بهذا العمل الشنيع ـ قبحه الله ـ فالله عز وجل أنزل هذه الآية بهذا السبب، ليعالج واقعة حاصلة من بعض الناس وإن كان المعنى أعم من ذلك، فالمرأة لا يجوز لها أن تفعل هذا الفعل، ولا يجوز لوليها أو لسيدها أن يسمح لها بذلك سواء كانت تريد التحصن أو لا تريده، وإنما قال (إن أردن تحصنًا) لأن هذا يتناسب مع الواقعة التي نزل القرآن ليعالجها فسبب النزول يبين المعنى هنا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت