لقد جمع اللغويون الأوائل كالخليل والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي، جمعوا كل ما وجدوه من كلام قبائل العرب وصنفوه على أنه من الفصحى فصارت للشيء الواحد عشرات الأسماء بتعدد اللهجات، وبمضي الزمان صار ذلك كله ذخيرة للمعجم العربي، فتضخم هذا المعجم تضخمًا … وقد لاحظ بعض المستشرقين ذلك، يقول نولدكه:"وطبيعي أن المعاجم العربية قد تضخمت جدًا، على الأخص بسبب أنها تذكر التسميات الشعرية الشخصية الخالصة للأشياء على أنها كلمات خاصة، فحين يسمي أحد الشعراء الأسدَ مثلًا بالكاسر بالأسنان، ويسميه شاعر آخر بالساحق وغير ذلك، فإن المعاجم العربية تأخذ هذه التسميات على أنها ترادف كلمة الأسد تمامًا" (7)
ثالثًا: موقف اللغويين من ظاهرة الترادف:
تراوح موقف اللغويين بين قبول الظاهرة والاستشهاد لها بكثير من ألفاظ اللغة المستعملة في واقع الحياة فعلًا كما رأينا في موقف ابن خالويه، وبين التحرز من قبولها والبحث عن دلالة محددة لكل لفظ على حدة، حتى لو كان مجرد ظلال سياقية تفرق بين المترادفات، وأصحاب الاتجاه الأول يمثلهم كثير من جامعي اللغة الأوائل وأصحاب المعاجم والمفسرين، وقد سمى الفيروزأبادي - على سبيل المثال - أحد كتبه"الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف"وسنورد أمثلة من ذلك فيما بعد، أما أصحاب الاتجاه الثاني فأنكروا وقوع الترادف التام، إذ رأوا أن لكل لفظ دلالة محددة أرادها الواضع أول مرة، أما تقارب الدلالات لألفاظ مختلفة فأمر ممكن ووارد، والراغب الأصفهاني - وهو من أدقّ دارسي اللغة - من روّاد هذا الاتجاه، يقول في مقدمة معجمه القيم"المفردات في غريب القرآن"يقول: وأُتبع هذا الكتابَ إن شاء الله ونسأ في الأجل بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يُعرف اختصاص كل خبرٍ بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكره القلب مرة والفؤاد مرة والصدر مرة…" (8) "
وكان الزمخشري الذي أحلّنا دارَ) يلتفت أحيانًا في الكشاف إلى شيء من ذلك، يقول في قوله تعالى (فاطر:35) يقول: فإن (المقامة من فضله لا يمسُّنا فيها نَصَبٌ ولا يمسنا فيها لغوب قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟ قلت: النصب: التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له، أما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب، فالنصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب: نتيجته وما يحدث من الكلال والفترة"(9) "
وممن أنكر الترادف كذلك اللغوي المدقق أحمد بن فارس وشيخه أبو العباس ثعلب، بل إن أبا هلال العسكري ألف كتابًا في ذلك سماه"الفروق اللغوية"ذكر فيه كثير من الفروق بين ما قد يُظن أنه من قبيل المترادف، وإن كانت لنا بعض ملاحظات على ما أورده ليس ثمَّ موضع بسطها.
واللغويون المحدثون يقف أكثرهم مع أصحاب الاتجاه الثاني، عاملين على ضبط اللغة لفظًا ودلالة في عصر العلم المادي لكل لفظ دلالته وحدوده كمًا وكيفًا… يقول الدكتور محمود فهمي حجازي:"وينبغي أن نوضح هنا المعنى الحديث للترادف، ففي ظل مبدأ نسبية الدلالة يندر أن تكون هناك كلمات تتفق في ظلال معانيها اتفاقًا كاملًا، ومن الممكن أن تتقارب الدلالات لا أكثرولا أقل، فالألفاظ المترادفة هي بهذا المعنى الألفاظ ذات الدلالات المتقاربة" (10)
رابعًا: كيف نحدد اللفظ بدقة؟
ثمة خطوات ينبغي اتباعها لتحديد دلالة اللفظ بدقة في سياق ما، وهي:
1 -معرفة الأصل اللغوي للفظ، وذلك بالرجوع إلى معاجم اللغة واستعمالات العرب، فأصل الصلاة الدعاء، وأصل الكفر التغطية، وأصل الجنون الستر…وهكذا، ومن الملاحظ أن دلالة اللفظ المتطورة عن أصل ما تبقى دائمًا على علاقة، بعيدة أو قريبة بذلك الأصل.
(يُتْبَعُ)