2 -معرفة ما يضفيه التطور الحضاري على الألفاظ من دلالات جديدة، ولعل أكبر نقلة حضارية في العربية كانت نزول القرآن الكريم بها، ومن ثم أخذ القرآن من ألفاظ العرب ألفاظًا وأكسبها دلالات جديدة للدلالة على حضارة الإسلام الناشئة، وخير ما يصور ذلك قول ابن فارس:"كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت فعفيّ الأول الآخر… فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق … وإن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا…" (11) ومعرفة الأصل اللغوي شرط مهم لتحديد الدلالة.
3 -دراسة السياق الذي يرد فيه اللفظ دراسة دقيقة، خصوصًا في أسلوب القرآن الكريم، واستقراء جميع المواضع التي ورد فيها اللفظ، والدراسة السياقية أساس مهم لتحديد الدلالة بدقة،وقد نبه القدماء والمحدثون إلى ذلك، بل إن اللغوي الإنجليزي"فيرث"بنى نظريته اللغوية على دراسة السياق أساسًا، وقد نبه على ذلك الزركشي في البرهان، قال"إنها - أي دراسة السياق ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في ذق إنك أنت العزيز) نظيره، وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى (الدخان:49) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير" (12) (الكريم
ودراسة اللفظ بهذه الطريقة ستفضي بنا إلى تحديد الدلالة بدقة، مع ملاحظة أن بعض الألفاظ قد لا يُعرف لها أصل لغوي محدد، من ثم تبقى دراسة السياق هي الأصل مع دراسة التطور الدلالي.
خامسًا: دراسة في بعض ما قبل بترادفه من ألفاظ القرآن:
لا شك أن تحليل الألفاظ بهذه الطريقة يحتاج إلى مساحة أوسع مما تجود به المجلات التي تعتمد عادة على المقال ذي الصفحات المعدودة، إن تحليل الفرق بين الفؤاد والقلب، أو بين العام والسنة والحول على سبيل المثال يحتاج إلى صفحات كثيرة، وقد درسنا ذلك في كتابنا المشار إليه في بداية المقال، ولكنا سنختار هاهنا أمثلة لا تحتاج إلى ذلك، ومنها:
1 -الغيث والمطر: في اللسان"المطر: الماء المنسكب من السحاب، والمطر: ماء السحاب والجمع أمطار …وأمطرهم الله مطرًا أو عذابًا، وأمطرهم الله في العذاب خاصة" (13) وفي القاموس المحيط"الغيث: المطر والكلأ ينبت بماء السماء" (14) وفي المفردات"المطر: الماء المنسكب …وفيه الغيث: المطر" (15)
وإذ نستعرض المادتين في القرآن نجد أن الماء النازل من السماء يسمى باسمه"ماء"أحيانًا ويسمى باسم الغيث أحيانًا أخرى، ومادتا (غوث وغيث) تأتيان في القرآن بمعان متقاربة، فالغوث: العون والمساعدة، والغيث الماء الذي يُغاث به الناس، ومن ذلك:
إن الله عنده) أ- (لقمان: 34) (علم الساعة وينزلُ الغيثَ ويعلم ما في الأرحام
وهو الذي)ب- (الشورى: 28) (ينزل الغيث من بعد ما قنطوا
(كمثل غيث أعجب الكفار نباته) ج- (الحديد:20)
فلفظ الغيث هنا يحمل معاني في الخير والعون، ولذلك يأتي في مواضع إظهار النعمة والمنّ بها على العباد …
أما المطر فقد ورد - أسماء وأفعالًا - في خمسة عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها أربعة عشر موضعًا في العذاب والعقاب صراحة، ومن ذلك:
(الشعراء: 173) (وأمطرنا عليهم مطرًا) أ-
)ب- (الفرقان: 40) (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء
وأمطرنا)ج- (الأعراف:84) أما الموضع الخامس عشر وهو (عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) قوله تعالى (النساء:102) (
ولا يخفى من السياق أن الموضع موضع"أذى من مطر"لا موضع غيث، فالماء إذا زاد عن حده صار هلاكًا كالفيضان والسيل، واقتران المطر بالمرض في هذا السياق يزيد الصورة وضوحًا، فهو موضع شدة ومشقة، وهذه الظلال تختفي لا ريب إذا كان اللفظ هو الغيث الذي يحمل معاني الفرج والعون والحياة.
(يُتْبَعُ)