ثمة دندنة تخترق كل تلك العصور .. لتقول: مازلتُ أعيش .. !
ثمة عزف تراقصت له الحروف ..
ثمة أقمار تحكي سر الخلود .. أقمار لا تأفل .. !
ثمة ورود تثرثر عن صورةٍ علِقتْ في الذاكرة ..
صورة قطرة ندى على خدِّ وردة .. !
ألا يبدو الفارق واضحًا فيما لو تبخّر ما سبق
عن تلك الفكرة الجميلة ... ؟!
نعم يا ابن هشام هكذا كانت حروفك وفكرتك النادرة ..
وهكذا أظلُّ دومًا يأسُرُني الجمال النادر .. فأظل مدينة
لتلك المساحة البيضاء التي خُلِقتْ في نفسي ..
أنا الآن هنا ..
وغير استبداد هذا الجمال فيَّ ..
جئتُ لرقيق دعوة عثرتُ عليها بين حروفك:
(( ولعلي لا أعدم أخًا أديبًا أوأختًا أديبة تستحسن
ما استحسنت أو تعارضه فنستفيد جميعًا ))
فقد تكون صفحة يشتعل فيها النقاش
بعيدًا عن كونها هي أو هو ... !
كما أُلاحظ في الفصيح ... !!
سأتأمل معكم .. رغم أنّي لستُ بشاعرة .. !
عمومًا ..
ما أجمل الحروف حين قُلتَ:
(وقادني هذا البيت إلى البحث عن شعره وتتبعه،
ورب بيت قاد إلى ديوان.
ورب قصيدة زهدتك في مكان أو زمان أو إنسان!)
وهذا ما كنتُ أعجب له دومًا .. !
فكم من بيتٍ قادني لـ حياة .. تأريخ .. عمر .. وديوان أو حروف مشمسة!!
أعجبني كثيرًا قول (الصريع) في رائيته،
كما أعجبني (المهذب بن الزبير) في ميميّته.
وفي الثاني .. وقفت كثيرًا إزاء ما اختاره
الأستاذ: ابن هشام في تحليل:
نزلوا من العينِ السوادَ وإنْ نأوا
ومن الفؤاد مكانَ ما أنا أكتمُ
ياااه يا لجميلها ... !
قد رددتُها غير ساعة .. !
فخلدت في الذاكرة .. كشاهد جمال لذاك العصر ..
ثم ما أجمل ما تبعها من درٍّ:
رحلوا وفي القلبِ المُعنَّى بعدهم
وجدٌ على مَرِّ الزمان مخيمُ
وسروا وقد كتموا المسيرَ وإنما
تسري إذا جنَّ الظلامُ الأنجمُ.!!
ما ألذَّ الوجد على ذاك القلب المعنّى
ثم ما أحلى تخييمه على مرِّ الزمان .. !
ثم ياله من وصف ذاك الذي أعقبه .. !
سير .. بخفية .. ودعة ثمَّ ...
وصفٌ يقطرُ صدقًا .. ويشتعل رفعة ووهجا ... !
شدّني فيها ـ أيضًا ـ رائع المطلع الإنشائي.
هذا المطلع الذي ينزف حرقة ووجدًا عليهم.
تُرى أيمموا نجد أم تهامة .. ؟!
يا لليلي بعد الظاعنين .. !؟
أدهشني:
النداء .. الضماءر المتلاحقة .. تأثير النون والميم المشدّدة .. !
اختيار: (القلب /المعنّى / وجدٌ / مخيّم) في بيتٍ واحدٍ تتلاحق أنفاسه عذوبة ..
وتزخر جنباته شوقا و وجعا ..
أنّى لي جمع الجمال فيها .. ؟
لاحظوا ذاك البيت .. الذي لو حاولنا نثره،
لملأنا خمس أسطر أو تزيد تعبيرًا عن لواعج قلب .. !!
ومع ذا ما استطعنا التعبير بهذه القوّة التي كان لها ما كان
من التأثير والجمال في بيت شاعرنا بل في معظم أبياته .. !!
ولتكن لنا وقفة غير يسيرة هنا:
لولاهم ما قمت بين ديارهم
حيران أستاف الديار وألثمُ
ثم لنعقبها بـ:
لا تبعثوا لي في النسيم تحيةً
إني أغار من النسيم عليكم .. !!!
سأترك لكم محاورة الجمال في البيتين السابقين
فلن أستبدّ بهما .. لكم مساحة بيضاء
أثق بأنها ستفيض برائعهما ولا غرو ... !
شكرًا ابن هشام ..
سأحفظها في قلب الذاكرة .. لتعبث بروحي
التي أضناها مثل هذا العزف ...
وأظن أنّها استقرت ... !
كما قال (المهذب) في بيتٍ يتيم:
بأيِّ بلادٍ غير أرضي أخَيِّمُ
وأىِّ أُناسٍ غير أهلي أُيَمِّمُ
وقال في بعض نتفه:
ورائِيَ أرضٌ ما بها مُتأخَّرٌ
أمامِيَ أرضٌ ما بها مُتقدَّمُ
فها أنا أختارُ النَّواءَ على الثَّوَى
ويكرهُهُ الرَّأىُ الذى هو أحزَمُ
وفي كلٍّ .. جمال وتميّز ...
فلله درك يا ابن هشام على هذه اللفتة الرائعة ...
وقد توصّلت لبعض ما قال:
بأيِّ بلادٍ غير أرضي أخَيِّمُ
وأىِّ أُناسٍ غير أهلي أُيَمِّمُ
ورائِيَ أرضٌ ما بها مُتأخَّرٌ
أمامِيَ أرضٌ ما بها مُتقدَّمُ
فها أنا أختارُ النَّواءَ على الثَّوَى
ويكرهُهُ الرَّأىُ الذى هو أحزَمُ
وقال:
ليت شعرى كيف أنتم بعدّنا
أَتُرى عندكمُ ما عندنا
بنتُمُ والشّوقُ عنَّا لم يَبِن
وظعنتُم والأسى ما ظَعَنا
قل لمسرورين بالبين وقد
شَفَّنا من أجلهم ما شَفَّنَا
لم يَهُن قطُّ علينا بُعدُكم
مثلما هانَ عليكم بُعدُنا
ولقد كُنَّا نُعزِّى النفسَ لو
كنتمُ قبلَ التّنائى مثلَنا
لم تُبالوا إذ رحلتم غُدوةً
أىَّ شىءٍ صنَع الدهرُ بنا
سهرت أجفانُنَا بَعدكمُ
(يُتْبَعُ)