الظاهر هو الرأى الأول، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد، لأن الله - تعالى - قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم في أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين في غزوة بدر، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} ، ويؤيد هذا المعنى - كما سنبينه لعد قليل -.
وجواب الشرط في قوله {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} . . . إلخ. والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك.
وعبر عما أصاب المسلمين في أحد بصيغة المضارع {يَمْسَسْكُمْ} لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركون بصيغة الماضى لبعده؛ لأن ما أصابهم كان في غزوة بدر.
وقوله {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} بيان لسنة الله الجارية في كونه، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم في أحد.
وقوله {نُدَاوِلُهَا} من المداولة، وهى نقل الشئ من واحد إلى آخر.
يقال: هذا الشئ تداولته الأيدى، أى انتقل من واحد إلى آخر.
والمعنى: لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح في أحد على أيدى المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك في غزوة بدر، وإن أيام الدنيا هى دول بين الناس، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم، فمن سره زمن ساءته أزمان، ومن أمثال العرب. الحرب سجال: والأيام دول فهى تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، كما قال الشاعر:
فلا وأبى الناس لا يعلمون ... فلا الخير خير ولا الشر شر
فيوم علينا، ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
واسم الإشارة {تِلْكَ} مشاربه إلى ما بعده، كما في الضمائر المبهمة التى يفسرها ما بعدها، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم.
والمراد بالأيام: الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التى يتكون الواحد منها من مدة معينة.
وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر، فقال: وقوله: {وَتِلْكَ الأيام} ، تلك مبتدأ، والأيام صفته {نُدَاوِلُهَا} خبره.
ويجوز أن يكون {وَتِلْكَ الأيام} مبتدأ وخبرا، كما تقول: هى الأيام تبلى كل جديد.
والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. ونداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء"."