فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 556

قال النووي: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةِ إِلَيَّ) الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَاالْفِتْنَة وَاخْتِلَاط أُمُور النَّاس. وَسَبَب كَثْرَة فَضْل الْعِبَادَة فِيهِ أَنَّ النَّاس يَغْفُلُونَ عَنْهَا , وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا , وَلا يَتَفَرَّغ لَهَا إِلا أَفْرَاد.

قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَنَّ الْفِتَن وَالْمَشَقَّة الْبَالِغَة سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفّ أَمْر الدِّين وَيَقِلّ الاعْتِنَاء بِأَمْرِهِ وَلَا يَبْقَى لأَحَدٍ اِعْتِنَاء إِلا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاش نَفْسه وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْر الْعِبَادَة أَيَّام الْفِتْنَة كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار رَفَعَهُ"الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ"8 - أن حصول النعمة بعد ألم ومشقة ومصيبة أعظم قدرًا عند الإنسان.

فيعرف الإنسان قدر نعمة الله عليه في الصحة والعافية، ويقدرها حق قدرها.

فمن فوائد المصائب: التذكير بنعم الله تعالى على الإنسان، لأن الإنسان الذي خلق مبصرًا - مثلًا - ينسى نعمة البصر ولا يقدرها حق قدرها،

فإن ابتلاه الله بعمى مؤقت ثم عاد إليه بصره أحس بكل مشاعره بقيمة هذه النعمة، فدوام النعم قد ينسي الإنسان هذه النعم فلا يشكرها، فيقبضها الله ثم يعيدها إليه تذكيرًا له بها ليشكرها.

بل إن في المصائب تذكيرًا للإنسان المصاب ولغيره بنعم الله، فإذا رأى الإنسان مجنونًا أحس بنعمة العقل، وإن رأى مريضًا أحس بالصحة،

وإن رأى كافرًا يعيش كالأنعام أحس بنعمة الإيمان، وإن رأى جاهلًا أحس بنعمة العلم، هكذا يشعر من كان له قلب متفتح يقظ، أما الذين لا قلوب لهم فلا يشكرون نعم الله بل يبطرون، ويتكبرون على خلق الله.

9 -فوائد المصيبة أنها تنقذ الإنسان من الغفلة، وتنبه العبد على تقصيره في حق الله تعالى، حتى لا يظن في نفسه الكمال فيكون سببًا لقسوة القلب والغفلة قال تعالى: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام / 43.

10 -ومن حكم الابتلاءات والشدائد: التمحيص فالشدائد تكشف حقائق الناس وتميز الطيب من الخبيث، والصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، يقول الله الباري جلا شانه عن غزوة أحد وما نال المسلمين فيها، مبينًا جانبًا من الحكمة في هذا الابتلاء: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)

فينكشف كلٌ على حقيقته:

جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي

وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت