وحكمًا. . ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص , ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى. فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض , فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده. ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام ; وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ; ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى. وهو أفسد الفساد:
(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . .
ولا يكون بعد هذا النذير نذير , ولا بعد هذا التحذير تحذير. . والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة , يتحملون أمام الله - فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها - تبعة تلك الفتنة في الأرض , وتبعة هذا الفساد الكبير.
وقال الجصاص:
بَابُ التَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} الْآيَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ , وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ قَالَ كَانَ الْمُهَاجِرُ لَا يَتَوَلَّى الْأَعْرَابِيَّ , وَلَا يَرِثُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَرِثُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرَ فَنَسَخَتْهَا {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ قَالَ {آخَى رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ , وَآخَى بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أُخُوَّةً يَتَوَارَثُونَ بِهَا لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا وَتَرَكُوا أَقْرِبَاءَهُمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْمَوَارِيثِ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَنَّ التَّوَارُثَ كَانَ ثَابِتًا بَيْنَهُمْ بِالْهِجْرَةِ وَالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُمْ دُونَ الْأَرْحَامِ , وَأَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ هَذِهِ الْآيَةِ , وَأَنَّ قوله تعالى {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} قَدْ أُرِيدَ بِهِ إيجَابُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ , وَأَنَّ قَوْلَهُ {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} قَدْ نَفَى إثْبَاتَ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ بِنَفْيِهِ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْمُوَالَاةِ يُوجِبُ التَّوَارُثَ , وَإِنْ كَانَ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ عَلَى حَسَبِ وُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمُؤَكِّدَة لَهُ كَمَا أَنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ , وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَوِي الْأَنْسَابِ أَوْلَى بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِتَأَكُّدِ سَبَبِهِ , وَفِي هَذَا دَلِيلٌ