فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 556

هذه الحياة , تنسيقًا بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري , وتنسيقًا بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني. .

ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر , والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني ; والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري. . هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده. والتي واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته. . هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في"نظرية"مجردة. بل ربما أحيانًا لم تكن لها"نظرية"على الإطلاق! إنما كانت متمثلة دائمًا في تجمع حركي. متمثلة في مجتمع , خاضع لقيادة هذا المجتمع , وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته , وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي , الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك - بإرادة واعية أو غير واعية - للمحافظة على وجوده ; والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد. ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في"نظرية"مجردة , ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو ; فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية , ورد الناس إلى الله مرة أخرى , لا يجوز - ولا يجدي شيئًا - أن تتمثل في"نظرية"مجردة. فإنها حينئذ لاتكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلًاوالمتمثلة في تجمع حركي عضوي , فضلًا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل , لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته. بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية , وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلًا.

والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام - على مدار التاريخ البشري - هي قاعدة:"شهادة أن لا إله إلا الله". أي إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية. . إفراده بها اعتقادًا في الضمير , وعبادة في الشعائر , وشريعة في واقع الحياة. فشهادة أن لا إله إلا الله , لا توجد فعلا ; ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جديًا حقيقيًا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم. .

ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية. . أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله , لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها , ولا في أي جانب من جوانبها , من عند أنفسهم ; بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت