العبادات، لكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله (ولولا دفع الله الناس ... ) الآية أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة، فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه، وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل هذه الآية. اه [1]
ومثل هذه الآية في المعنى قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) [2] ، فإن معناها أن الله تعالى يدفع الكافرين بالمؤمنين والظالمين بأهل العدل والمفسدين بأهل الصلاح ولولا ذلك لغلب أهل الكفر والفساد وملئوا الأرض من رجسهم وفسادهم ولما استطاع المؤمنون والصالحون عبادة ربهم ولا الدعوة إلى دينهم [3] .
ولذلك فقد وصف ابن القيم رحمه الله المجاهدين بقوله: قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه، وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم في أعمالهم التي يعملونها وإن باتوا في ديارهم، ولهم مثل أجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه، والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تبعه. اه [4]
ومن المعلوم أن الإعداد الإيماني إنما تكون ممارسته في كل المراحل والأوقات سواء قبل الشروع في الجهاد أو خلاله أو بعده، فإن الله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالدوام على العبادة والاستمرار عليها حتى يأتيه الموت، فقال تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [5] ، وإن خير أنواع التربية تلك التي تمارس أثناء الجهاد حيث يغلب على الناس القرب من الله تعالى ومراقبته في هذه الحالة، وذلك لقرب القتل من النفوس ورؤيتها له رأي العين.
وقد حدث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعض المخالفات ممن خرج معه للجهاد سواء من الأمراء أو الجند على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم وما أوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد ليستكمل تربية هؤلاء المخالفين وما طردهم أيضا من جيشه بل أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر بحسب حالهم وما فعلوه، وهذا معلوم مستفيض لمن قرأ سيرته وسأذكر طرفا من ذلك للتذكير:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، مرتين) [6] ، فقد ارتكب خالد رضي الله عنه مخالفة حيث قتل هؤلاء القوم وقد أسلموا، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث دياتهم وما تلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب، والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عزل خالدا ولا أخرجه من الجيش ولا أوقف الجهاد لهذا الفعل، بل فعل ما يجب عليه شرعا بدفع دياتهم وأنكر على خالد بحسب ما فعل [7]
وعن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي أن تطيعوني، قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبا فأوقدوا، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار أفندخلها، فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف) [8] ، فقد أمرهم هذا الأمير بالدخول في النار ولا شك أن هذه معصية وقتل نفس بغير حق ومع ذلك فلم يوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد ولا أخرجهم من الجند حتى يستكملوا التربية ولا قال مثل ما يقول هؤلاء.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو في النار) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها [9] ، فهذا رجل قد استأمنه النبي صلى الله عليه وسلم على غنائم المسلمين ولكن نفسه أمرته بالسوء فغل منها عباءة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تشتمل عليه في
(1) تفسير القرطبي ج12/ 70، راجع تفسير البيضاوي ج4/ 129، فتح القدير ج3/ 457، زاد المسير ج1/ 300
(2) سورة البقرة، الآية: 251.
(3) راجع تفسير هذه الآية في تفسير القرطبي ج3/ 260، ابن كثير ج2/ 633، تفسير أبي السعود ج1/ 245.
(4) طريق الهجرتين لابن القيم/553، ط: دار الكتب العلمية.
(5) سورة الحجر، الآية: 99.
(6) رواه البخاري في باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، ورواه أيضا أحمد وابن حبان والنسائي والبيهقي.
(7) راجع تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 536
(8) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وأبو يعلى.
(9) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي.