وقد قال عثمان رضي الله عنه: ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، وقد قيل: الدين أس والسلطان حارس فما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع.
لما كانت منزلة الخلافة من الدين عظيمة، فقد جعلت الشريعة لهذا الخليفة أو الإمام شروطا يجب أن تتوفر في كل من أراد أن يتصدى لهذا المنصب الخطير، ومن هذه الشروط ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وسنعرض هنا على وجه الاختصار لهذه الشروط وليس غرضنا هنا استيفاء الكلام على هذه المسألة، ولكن المقصود الإشارة إلى ذلك، وهذه الشروط تتلخص في.
1 -أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) [1] .
2 -أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء والحوادث وهذا متفق عليه قديما [2] .
(1) رواه بهذا اللفظ أحمد والنسائي والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني في الكبير والحاكم وسعيد بن منصور وأبو داود الطيالسي عن علي وأنس رضي الله عنهما، وروى البخاري عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا فيكم الدين) ، وروى ابن عمر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها، وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا ... ) الحديث، رواه الحاكم والبيهقي عن على رضي الله عنه بسند صحيح، وروى الطبراني بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن السائب والبزار عن على رضي الله عنه مرفوعا: (قدموا قريشا ولا تقدّموها) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الخلافة في قريش والحكم في الأنصار ... ) الحديث رواه أحمد والطبراني وابن أبي عاصم وابن عساكر عن عتبة بن عبد رضي الله عنه بسند صحيح، وروى أحمد وأبو يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: (يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا ... ) الحديث، وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك يوم السقيفة، عندما قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتج أبو بكر عليهم بالحديث السابق، فرضوا بذلك فقالوا أنتم الأمراء ونحن الوزراء، وقال النووي رحمه الله في هذه الأحاديث: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك من بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلافه من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم. (راجع في ذلك: شرح صحيح مسلم للنووي، ج 12/ 441ـ 442، كتاب الإمارة، غياث الأمم للجويني/ 62 ـ 63، الأحكام السلطانية للماوردي/ 6، فتح الباري ج13/ 113 ـ 121، مقدمة ابن خلدون/173)
(2) اختلف الناس في اشتراط الاجتهاد، فذهبت طائفة إلى اشتراطه وقالوا: يجب أن يكون الإمام مجتهدا في أصول الدين وفروعه ليتمكن من الفتوى واستنباط الأحكام، وذهب إلى هذا الماوردي وأبو يعلى والجويني والغزالي والبيضاوي وحكى ذلك ابن خلدون في مقدمته عن جماعة، وقال الشهرستاني: ومالت جماعة من أهل السنة إلى عدم اشتراط الاجتهاد وخاصة في العصور المتأخرة، حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد لكن يجب أن يكون معه من أهل الاجتهاد من يراجعهم في الأحكام والفتوى (راجع في هذه المسألة: غياث الأمم للجويني وأصول الدين للبغدادي والأحكام السلطانية للماوردي ومقدمة ابن خلدون) .