بإمرة صحيحة على بلد ما فالصحيح أن يسمى بالتقييد فيقال: أمير المؤمنين في بلد كذا أو في مكان كذا، قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: وقال قوم إن اسم الإمامة قد يقع على الفقيه العالم وعلى متولى الصلاة بأهل مسجد ما، قلنا: لا يقع على هؤلاء إلا بالإضافة لا بالإطلاق، فيقال: فلان إمام في الدين وإمام بني فلان، فلا يطلق لأحدهم اسم الإمامة بلا خلاف من أحد من الأمة إلا على المتولى لأمور أهل الإسلام، فإن قال قائل بأن اسم الإمارة واقع بلا خلاف على من ولي جهة من جهات المسلمين، وقد سمى بالإمارة كل من ولاه رسول الله جهة من الجهات أو سرية أو جيشا وولاه مؤمنون فما المانع من أن يوقع على كل واحد اسم أمير المؤمنين، فجوابنا: وبالله تعالى التوفيق أن الكذب محرم بلا خلاف وكل ما ذكرنا قائما فهو أمير لبعض المؤمنين لا لكلهم، فلو سمى أمير المؤمنين لكان مسميه بذلك كاذبا، لأن هذه اللفظة تقتضى عموم جميع المؤمنين وهو ليس كذلك، وإنما هو أمير بعض المؤمنين، فصح أنه ليس يحوز البتة أن يوقع اسم الإمامة مطلقا ولا اسم أمير المؤمنين إلا على القرشى المتولي لجميع أمور المؤمنين كلهم، أو الواجب له ذلك وإن عصاه كثير من المؤمنين وخرجوا عن الواجب عليهم من طاعته والمفترض عليهم من بيعته، فكانوا بذلك فئة باغية حلالا قتالهم وحربهم، وكذلك اسم الخلافة بإطلاق لا يجوز أيضا إلا لمن هذه صفته وبالله التوفيق [1]
فيجوز إطلاق اسم الإمام على ولي الأمر الأعلى في دولة ما، ولا يشترط أن يكون إماما عاما لكل المسلمين في الدنيا، لأن الإمامة العامة قد انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا ولو تأَمَّرَ عليكم عبد حبشي) ، فإذا تَأَمَّرَ مسلم قد استوفى الحد الأدنى من الشروط على جهةٍ ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا وأمره مطاعا، وما زال أئمة الإسلام وعلماءه يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم وإن لم تكن له الخلافة العامة، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية إلى يومنا هذا، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم على الوجه الصحيح، إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام قاطبة لقلت فائدته. اه [2]
أجمع أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على وجوب تنصيب الخليفة المسلم العادل للحكم بين الناس بالحق، وإقامة أحكام الله تعالى، والقيام على مصالح الأمة، والجهاد في سبيل الله تعالى، وإن اختلفوا في دليل هذا
(1) راجع الفصل في الملل والنحل لابن حزم ج 4/ 75.
(2) راجع سبل السلام للصنعاني ج3/ 249 شرح حديث (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة قمات فميتته جاهلية)