ولذلك قال ابن قدامة رحمه الله: ولا يخرج من العسكر لتعلف وهو تحصيل العلف للدواب ولا لاحتطاب ولا غيره إلا بإذن الأمير، لقوله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) ، ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو فيأخذوه أو طليعة لهم أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك. اه [1]
وقد علمنا ما أصاب المسلمين من الهزيمة يوم أحد بسبب انصراف الرماة من مواقعهم دون إذن الإمام وهو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال لهم (أن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) [2] ، فلما رأوا أن العدو قد انهزم تركوا مواقعهم وأسرعوا إلى الغنائم فالتف العدو من خلفهم حتى كان ما كان من هزيمة المسلمين، فلا ينبغي لأحد أن يستهين بإذن الأمير وأمره ونهيه حتى لا يختل النظام العام.
قال ابن تيمية رحمه الله: والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبرى أو طلبى لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة، والذي على السلطان في مسائل النزاع بين الأمة أحد أمرين إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة لقوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ، وإذا تنازعوا فهم كلامهم إن كان ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعا الناس إليه، فأما إذا كانت البدعة ظاهرة تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية فهذه على السلطان إنكارها لأن علمها عام، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة ونحو ذلك، ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا عند الجهال لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها.
وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها فيكون كلامه قبل
(1) المغني لابن قدامة ج9/ 176.
(2) رواه غير أهل السير البخاري وأحمد وأبو داود والبيهقي وأبو عوانة.