أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس رضي الله عنه وقال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) [1]
وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا) [2] .
يقيد ما ورد من الأحاديث المفيدة لوجوب السمع والطاعة للأمير قيدان وهما: المعصية من جهة الأمير والاستطاعة من جهة المأمور
* أما المعصية فقد ذكرنا كثيرا من الأدلة التي تفيد أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) ، فلا يطاع الأمير في المعصية ولكن لا يُخرَجُ عليه والصبر عليه مع نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر هو الواجب حينئذ والهدي السديد الذي يجب التزامه جمعا بين الأدلة التي ذكرناها سابقا مثل قوله صلى الله عليه وسلم (من رأي من أميره شيئا يكرهه فليصبر) ، وبيعة الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقولوا الحق ولا يخشوا في الله لومة لائم، وهذا كله مقيد بما إذا وقع الأمير في الكفر الصريح الذي دلت عليه الأدلة وذلك ظاهر في قوله صلى الله عليه وسلم (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) ، وهذا هو مقتضى قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) والله تعالى أعلم.
* وأما الاستطاعة من جهة المأمور فالمقصود بها أنه لا يلزم المأمور طاعة أميره فيما لا يستطيعه، ومدار أحكام الشريعة كلها على الاستطاعة والله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيع أداءه قال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [3] ، ويدل على ذلك قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) [4] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) [5] ، والاستطاعة من عدمها أمر يعلمه الله تعالى من عبده فإن قصر العبد في الطاعة مدعيا عدم الاستطاعة فإن الله تعالى يحاسبه على ذلك فإن كان كاذبا فالله مطلع عليه ومجازيه عليه.
(1) رواه مسلم والنسائي والبخاري في التاريخ وأبو عوانة وابن أبي شيبة والطبراني.
(2) رواه مسلم وابو داود والبيهقي وأبو يعلى والطبراني.
(3) سورة البقرة، الآية: 286.
(4) سورة التغابن، الآية: 16.
(5) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان وابن ماجة والبيهقي والطبراني والشافعي وأبو يعلى.