الوجوب، ولم يخالف في ذلك إلا النجدات من الخوارج المارقين، وأبو بكر الأصم حيث كان عن الشريعة أصم.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) [1] :
هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله وأتبعه على رأيه ومذهبه قال واجبة في الدين بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك ودليلنا قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) وقوله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) وقال (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) أي يجعل منهم خلفاء ذلك من الآي وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش، فلو كان فرض واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ولقال قائل إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازلكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضى الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ولم يقل له أحد هذا واجب علينا ولا عليك فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين. اه [2]
وقال ابن حزم رحمه الله: اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخوارج، فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم، وهذه الفرقة ما نرى بقى منهم أحدا، وقول هذه الفرقة ساقط يكفي للرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا على بطلانه، والقرآن والسنة وردا بإيجاب الإمام، من ذلك قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) مع أحاديث صحاح كثيرة في طاعة الأئمة ووجوب الإمامة، وأيضا فإن الله عز وجل يقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ، فوجب اليقين بأن الله تعالى لا يكلف الناس ما ليس في بنيتهم واحتمالهم وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله تعالى من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق
(1) سورة البقرة، الآية: 30.
(2) راجع تفسير القرطبي، ج 1/ 280:282، ط: دار الحديث القاهرة.