إن الإعداد الإيماني (التربية الإيمانية) واجب ومقوم أساسي من مقومات النصر، وأن للمعصية أثر واضح في الخذلان، وأن معصية بعض الجند قد تضر كل الجيش، ولكن هل يصح أن يقال إن الجهاد يؤجل بسبب عدم اكتمال هذا الإعداد؟
فالجواب الذي تدل عليه نصوص الشرع وضرورة الواقع أن الجهاد لا يؤجل من أجل الإعداد الإيماني خاصة إذا كان الجهاد فرض عين، وخاصة إذا ما حل العدو ببلد من بلدان المسلمين، أو استولى عليها كافر يحكم الناس بغير شريعة الله تعالى، وهو حال كثير من بلدان المسلمين الآن أو كلها، فمثل هذا الجهاد واجب عيني لا يجوز تأجيله لاكتمال الإعداد الإيماني، وتأجيل مثل هذا الجهاد العيني يؤدي إلى ضرر وفساد عظيم.
فهل هناك فتنة أعظم من حلول الكافرين بعقر بلاد المسلمين يفرضون عليهم أحكام الكفر ويسعون في إفساد المسلمين وفتنتهم عن دينهم بشتى وسائل المكر ويبيحون بلاد المسلمين لأعدائهم ينهبون ثرواتهم ويعيثون فيها فسادا، فمن قال بتأجيل جهاد هؤلاء الكفار حتى يتم تربية المشاركين في الجهاد، فقد قال قولا تخالفه عموم الأدلة القاضية بوجوب الجهاد ودوامه واستمراره إلى يوم القيامة، ولا يدري صاحب هذا القول أن الكفار لا يزالون يحابون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم ولن يتركوا للمربين الفرصة للقيام بما يرغبون والواقع خير شاهد على ذلك.
فإن هؤلاء المجرمين بما يملكون من وسائل الترغيب والترهيب والتأثير الإعلامي والمادي يستطيعون التأثير على العامة بحيث إذا تقدم معهم من يتعهدهم بالتربية خطوة رجعوا هؤلاء بهم خطوات، والنتيجة الواضحة للعيان هي ضياع دين كثير من الناس تحت تأثير السيف والذهب وصدق الله تعالى إذ يقول (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) [1] ، وقال تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [2] .
كذلك فإن هؤلاء الكافرين لن يبقوا على أي وسيلة من وسائل التربية الصالحة إلا وأغلقوها أو أفرغوها من مضمونها فتبقى صورة بلا معنى ولا فائدة، ولذلك قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [3] ، فلولا دفع الله تعالى الكافرين بالمجاهدين في سبيله لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه، قال القرطبي رحمه الله: أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتل الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينه أرباب الديانات من مواضع
(1) سورة البقرة، الآية: 217.
(2) سورة البقرة، الآية: 120.
(3) سورة الحج، الآية: 40.