أفضل من تطوع الحج وغيره ... إلى أن قال: ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة والعمل بالرمح والقوس في الثغور أفضل من صلاة التطوع، وأما في الأمصار البعيدة من العدو فهو نظير صلاة التطوع.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله) .
وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره، فالسيف عند مواصلة العدو والطعن عند مقاربته والرمي عند بعده أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك فكلما كان أنكى في العدو وأنفع للمسلمين فهو أفضل وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو وباختلاف حال المجاهدين في العدو، ومنه ما يكون الرمي فيه أنفع ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع وهذا مما يعلمه المقاتلون. اه [1]
وفي تفسير قوله تعالى (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) قال القرطبي رحمه الله: ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة، أولها: لا حق لهم في الفيء والغنيمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة وفيه (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)
وثانيها: إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة لما في ذلك من تحقق التهمة، وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعي كل تهمة والمسلمون كلهم عنده على العدالة، وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا وهو الصحيح لما بيناه في البقرة، وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ثلاثة أحدها: بالكفر والنفاق والثاني: بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر، والثالث: بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول وذلك باطل، وثالثها: أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة، وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي، وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم، وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي: الصلاة خلف الأعرابي جائزة واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة. اه [2]
(1) راجع مجموع الفتاوى ج28/ 8: 12.
(2) تفسير القرطبي ج8/ 232.