(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [1] ، فقد أوقف الله تعالى نصره على من نصر الله ورسوله ونصر دين الله تعالى وهذا بمنزلة الشرط في تحقيق النصر.
هذا وسنبين إن شاء الله تعالى بالتفصيل هذا الجانب من الإعداد في بحثنا المتعلق بالآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المجاهد في سبيل الله، وذلك لأهميته القصوى في تحقيق النصر، وإنا لنرى أن سببا رئيسا من أسباب تأخر النصر عن عباده هو تقصيرهم في حق الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي حق إخوانهم، فإن سنة الله تعالى الماضية في خلقه والتي لا تتخلف أن المعصية والتقصير سبب الخذلان وان الطاعة والاجتهاد سبب للنصر والتوفيق، ولم تتأخر هذه السنة حتى في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم.
فحينما خالف بعضهم أمره وعصوه في غزوة أحد فأصابتهم سهام المشركين وحرابهم بعد أن كانت الدولة لهم أول النهار [2] ، ولذلك فقد نبه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما إلى ذلك فقال: وإنكم لتقاتلون أعداءكم بطاعتكم لله ومعصيتهم له فإن استويتم أنتم وهم في المعصية غلبوكم، ثم قال له: ولا يغرنك أن يقال صاحب وخال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل ليس بينه وبين أحد سبب إلا طاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعاقبة ويدركون ما عنده بالطاعة [3] ، فإن أردنا أن تقام للإسلام دولة وأن يتحقق لنا النصر على أعدائنا فلا بد قبل الأخذ بالأسباب المادية من جبر التقصير في حق الله تعالى ولا بد من تحصيل أسباب التقوى حتى إذا دعونا الله تعالى استجاب لنا والله تعالى أعلم.
قال الطبري رحمه الله في تفسير آية الإعداد: يقول تعالى ذكره وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا بربهم الذين بينكم وبينهم عهد إذا خفتم خيانتهم وغدرهم أيها المؤمنون بالله ورسوله (ما استطعتم من قوة) يقول: ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم من السلاح والخيل، (ترهبون به عدو الله وعدوكم) ، يقول: تخيفون بإعدادكم ذلك عدو الله وعدوكم من المشركين وساق بسنده عن أبي علي الهمداني أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: قال الله (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر قال الله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ، ألا أن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ثلاثا) [4] ، وعن عكرمة في قوله (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) قال: الحصون، (ومن رباط الخيل) قال: الإناث، وعن رجاء بن أبي سلمة قال: لقي رجل مجاهدا بمكة ومع مجاهد جوالق، قال: فقال مجاهد: هذا من القوة، ومجاهد يتجهز للغزو، وعن السدي (وأعدوا لهم
(1) سورة الحج، الآية: 40.
(2) راجع
(3) راجع الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والخلفاء ج4/ 158.
(4) رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن حبان وابن ماجة وأحمد والبيهقي.