فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 86

ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [1] ، فقد كان هذا حال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم أن رأى قوة المشركين يوم بدر وقد خرجوا كما صور القرآن (بطرا ورئاء الناس) بقضهم وقضيضهم ولم يتخلف من فرسانهم ولا قادتهم أحد، وقد خرجوا يريدون استئصال شأفة هذا الدين وإبادة المؤمنين به وأن يتحدث الناس بخروجهم هذا ولا يزالون يهابونهم أبدا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعلم أنه لا طاقة له ولأصحابه على مجالدة أعدائهم بالنظر إلى القوة المادية، لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الركن الشديد واعتصم بالقوة التي لا تضام وظل صلى الله عليه وسلم طيلة ليله قائما بين يدي ربه متضرعا خاشعا ذليلا داعيا حتى انبلج الفجر وقد أشفق أصحابه عليه حتى رأى جبريل والملائكة معه فاستبشر صلى الله عليه وسلم وبشر أصحابه [2] .

ولذلك فقد بوب البخاري رحمه الله باب عمل صالح قبل القتال وأورد فيه قول أبي الدرداء رضي الله عنه: إنما تقاتلون بأعمالكم، وذلك إشارة منه رضي الله عنه أن من أعظم أسباب النصر العمل الصالح قبل المعركة [3] .

وبين لنا القرآن الكريم أن هذا أيضا كان حال المؤمنين من قبلنا، فقد قال تعالى متحدثا عن بني إسرائيل حين رأوا قوة عدوهم وقلة عددهم وعدتهم (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) [4] ، فلما لجأوا إلى الله تعالى ورفعوا أكف الضراعة والمسكنة بين يديه تبارك وتعالى جاءت النتيجة سريعة بالفاء التي تفيد الترتيب مع التعقيب (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) [5] ، ولم يذكر القرآن الكريم بل ولم يشر إلى أثر القوة المادية في هذه النتيجة الحاسمة تنبيها لعباده المجاهدين أن التوكل عليه وصدق اللجوء إليه والتذلل بين يديه تعالى وصدق النية في الجهاد في سبيله هو السلاح الأمضى والحاسم في المعارك والحروب.

ومن أجمع الآيات التي تبين أهمية الأخذ بسلاح التقوى والطاعة قبل لقاء العدو وأن أثر هذا السلاح عظيم ومحقق للنصر لا محالة قوله تعالى (يا أيها الذين إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) [6] ، ومثله قوله تعالى

(1) سورة الأنفال، الآية: 9.

(2) راجع الخصائص الكبرى ج1/ 330.

(3) ذكر ابن القيم رحمه هذا المعنى في قصيدته النونية فقال:

هذا وان قتال حزب الله بال ... أعمال لا بكتائب الشجعان

والله ما فتحوا البلاد بكثرة ... أنى وأعداهم بلا حسبان

وكذاك ما فتحو القلوب بهذه ال ... آراء بل بالعلم والايمان

(4) سورة البقرة، الاية: 250.

(5) سورة البقرة، الآية: 251.

(6) سورة محمد، الآية: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت