فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 86

الاختلاف والتنازع والتنافس على الدنيا ثم عقب في منتصف السورة بالأمر بالإعداد المادي في هذه الآية، وقد أمر الله تعالى في آيات كثيرة بالإعداد الإيماني عموما وقبل القتال خصوصا، فقال تعالى في الأمر العام بالتقوى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لمن نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) [1] ، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) [2] وغير ذلك كثير في القرآن الكريم.

أما الأمر بتصحيح الإيمان والأخذ بأسباب التقوى وبيان أن هذا من أعظم الأسلحة التي يتسلح بها المقاتلون في سبيل الله فقد ورد فيه قول الله تعالى (ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله) [3] ، فقد أمر الله تعالى عباده المجاهدين حين التقاء الصفوف وتقابل الجموع بالثبات والإكثار من ذكر الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والاعتصام بحبل الله تعالى وترك التنازع والاختلاف الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح والقوة، وما ورد الأمر به في هذه الآية هو من أمضى الأسلحة الذي يتسلح بها المجاهدون والتي لا يستطيعها أعداؤهم مهما بلغوا من القوة المادية، وإنهم إن فعلوا ذلك فإن الله تعالى معهم ولذلك ختم الله تعالى الأمر بذلك بقوله (إن الله مع الصابرين) ومن كان الله تعالى معه وموفقه فلا غالب له كما قال تعالى (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) [4] .

وقد بين الله تعالى من أحوال أوليائه الذين خرجوا يوم بدر للقاء عدوهم أنهم لما رأوا قلة عددهم وعدتهم بجانب قوة أعدائهم واستعدادهم لهم وخروجهم بقضهم وقضيضهم لجأوا إلى القوة العظمى التي لا تدانيها قوة ولاذوا بباب من بيده ملكوت السماوات والأرض والذي إذا أراد أن يهلك أعداءهم بقول كن لفعل تبارك وتعالى لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، وذلك لأنهم يعلمون أنهم لا طاقة لهم ولا حول ولا طول لهم إلا بالتوكل على الله تعالى وصدق اللجوء إليه والتذلل بين يديه فحكى الله تعالى لنا أحوالهم فقال عز وجل (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني

(1) سورة الحديد، الآية: 28.

(2) سورة آل عمران، الآية: 103.

(3) سورة الأنفال، الآية: 45: 47.

(4) ورد في الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والخلفاء: وركب أبو عبيدة فاستعرض الصف من أوله إلى آخره يقف على كل راية وكل قبيلة ويقول عباد الله استوجبوا من الله النصر بالصبر فإن الله مع الصابرين عباد الله ليبشر من قتل منكم بالشهادة ومن بقي بالنصر والغنيمة ولكن وطنوا أنفسكم على القتال والطعن بالرماح والضرب بالسيوف والرمي بالنبل ومعانقة الأقران فإنه والله ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته والصبر في المواطن المكروهة التماس رضوانه (راجع ج3/ 201)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت