وأما الأحاديث فقد صح عن رسول الله (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان شيء) ، وصح عن رسول الله (لا طاعة في معصية إنما الطاعة في الطاعة) ، و (على أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) ، وأنه عليه السلام قال (من قتل دون ماله فهو شهيد والمقتول دون دينه شهيد والمقتول دون مظلمة شهيد) [1] ، وقال عليه السلام (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده) ، فكان ظاهر هذه الأخبار معارضا للآخر فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى لا يمكن غير ذلك، فوجب النظر في أيهما هو الناسخ فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهي عن القتال موافقة لمعهود الأصل ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأخر واردة بشريعة زائدة وهي القتال هذا ما لا شك فيه، فقد صح نسخ معنى تلك الأحاديث ورفع حكمها حين نطقه عليه السلام بهذه الأخر بلا شك، فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين، ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة فقد ادعى الباطل وقفا ما لا علم له به فقال على الله ما لم يعلم وهذا لا يحل، ولو كان هذا لما أخلا الله عز وجل هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخا لقوله تعالى في القرآن (تبيانا لكل شيء) .
وبرهان أخر وهو أن الله عز وجل قال (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحدهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء) لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محكمة غير منسوخة فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت وما كان مخالفا لها فهو المنسوخ المرفوع.
وقد ادعى قوم أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان وهذا باطل متيقن لأنه قول بلا برهان، وما يعجز مدع أن يدعي في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم وفي زمان دون زمان والدعوى دون برهان لا تصح وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز لأنه قول على الله تعالى بلا علم.
وقد جاء عن رسول الله أن سائلا سأله عن من طلب ماله بغير حق فقال (لا تعطه) ، قال: فإن قاتلني؟ قال
(1) رواه أحمد والطبراني.