فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 86

(واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ... ) الآية.

قال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه لما قد تقصيناه غاية التقصي خبرا خبرا بأسانيدها ومعانيها في كتابنا الموسوم بالإتصال إلى فهم معرفة الخصال، ونذكر منه إن شاء الله هاهنا جملا كافية وبالله تعالى نتأيد.

أما أمره بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له وإن امتنع من ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فهو فاسق عاص لله تعالى، وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله بالصبر على ذلك، برهان هذا قول الله عز وجل (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ، وقد علمنا أن كلام رسول الله لا يخالف كلام ربه تعالى قال الله عز وجل (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي) ، وقال تعالى (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ، فصح أن كل ما قاله رسول الله فهو وحي من عند الله عز وجل ولا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض.

فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه يدري كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم) [1] ، فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين فالمسلم ماله للآخذ ظلما وظهره للضرب ظلما وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه معاون لظالمه على الإثم والعدوان وهذا حرام بنص القرآن.

وأما سائر الأحاديث التي ذكرنا وقصة ابني آدم فلا حجة في شيء منها، أما قصة ابني آدم فتلك شريعة أخرى غير شريعتنا قال الله عز وجل (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [2] .

(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة والبيهقي وأبو عوانة والدارمي والبزار والطبراني.

(2) المراد بشرع من قبلنا الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمم السابقة، ولا خلاف بين العلماء في أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يوجبه أو يصححه أو يقره، ولا خلاف أيضا بينهم في أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إذا ورد ما يُخالفه في شرعنا، ولكن الخلاف بين العلماء فيما كان شرعا لمن قبلنا ولم يأت في شرعنا ما يصححه أو يعتبره أو ما يُبطله أي أنه من قبيل المحكي المسكوت عنه، والراجح والله أعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يُبين عدم اعتباره، وذلك لأن حكايتة مع السكوت عليه يعتبر من باب الإقرار له، (راجع في هذه المسألة المستصفى للغزالي/132 وما بعدها، والأحكام للآمدي ج2/ 186 وما بعدها، وشرح مُسَلَّم الثبوت لعبد العلي محمد الأنصاري ج2/ 184ـ185، الأحكام لابن حزم ج5/ 724، تفسير القرطبي ج7/ 38، ط: دار الحديث القاهرة، تفسير ابن كثير ج2/ 63، فتح القدير للشوكاني ج2/ 46)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت