(قاتله) قال: فإن قتلته؟ قال (إلى النار) قال: فإن قتلني؟ قال (فأنت في الجنة) [1] أو كلاما هذا معناه، وصح عنه أنه قال (المسلم أخو المسلم لا يسلبه ولا يظلمه) ، وقد صح أنه قال في الزكاة (من سألها على وجهها فليعطها، ومن سألها على غير وجهها فلا يعطها) [2] ، وهذا خبر ثابت رويناه من طريق الثقات عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله، وهذا يبطل تأويل من تأول أحاديث القتال عن المال على اللصوص، لأن اللصوص لا يطلبون الزكاة وإنما يطلبه السلطان فاقتصر معها إذا سألها على غير ما أمر به ولو اجتمع أهل الحق ما قاواهم أهل الباطل نسأل الله المعونة والتوفيق.
وما اعترضوا به من فعل عثمان فما علم قط أنه يقتل وإنما كان يراهم يحاصرون فقط، وهم لا يرون هذا اليوم للإمام العدل بل يرون القتال معه ودونه فرضا فلا حجة لهم في أمر عثمان.
وقال بعضهم: أن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر، فقال لهم الآخرون: كلا لأنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يهتك حريما ولا أن يأخذ مالا بغير حق ولا أن يتعرض لمن لا يقاتله، فإن فعل شيئا من هذا فهو الذي فعل ما ينبغي أن يغير عليه، وأما قتل أهل المنكر الناس وأخذهم أموالهم وهتكهم حريمهم كله من المنكر الذي يلزم الناس تغييره، وأيضا فلو كان خوف ما ذكروا مانعا من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف لكان هذا بعينه مانعا من جهاد أهل الحرب وهذا مالا يقوله مسلم، وإن ادعى ذلك إلى سبي النصارى نساء المؤمنين وأولادهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم وهتك حريمهم، ولا خلاف بين المسلمين في أن الجهاد واجب مع وجود هذا كله، ولا فرق بين الأمرين وكل ذلك جهاد ودعاء إلى القرآن والسنة.
قال ابن حزم: ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره والنصارى جنده وألزم المسلمين الجزية وحمل السيف على أطفال المسلمين وأباح المسلمات للزنا وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين وملك نساءهم وأطفالهم وأعلن العبث بهم وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلنا به لا يدع الصلاة؟ فإن قالوا لا يجوز القيام عليه، قيل لهم: أنه لا يدع مسلما إلا قتله جمله وهذا إن ترك أوجب ضرورة إلا يبقى إلا هو وحده وأهل الكفر معه، فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملة وانسلخوا منه، وان قالوا: بل يقام عليه ويقاتل وهو
(1) لم أعثر عليه بهذا اللفظ ولكن له روايات أخرى بغير هذا اللفظ عند البخاري في الصحيح والتاريخ الكبير ومسلم والترمذي وأحمد وابن ماجة والبيهقي والطبراني والدارقطني.
(2) روى البخاري عن أنس بن مالك أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين (بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين ملكا أمر الله بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط ... ) الحديث ورواه أيضا أبو داود وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والبزار.