فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 86

قال تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) [1] وهذه الآية دليل على أن العقوبة على المعصية والظلم لا تقتصر على الفاعل فقط بل تتعداه إلى الساكت عليه التارك لتغيير المنكر مع الاستطاعة.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عن ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير ... إلى قوله: إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة الفاعل فانتظم في العقوبة. اه [2]

وقد قال ابن حجر رحمه الله في شرح حديث ابن عمر مرفوعا) إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم) [3] :

ويُستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهم منهم. اه [4]

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن الله أمر المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده ) ) [5]

وفي قصة أصحاب السبت أنجى الله تعالى من نهى أصحاب المعاصي عن عصيانهم، وأخذ الباقي بالعقوبة فقال تعالى (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) [6] ، ففي هذه الآية أهلك الله تعالى من تعدى حدوده ونواهيه بأن مسخهم قردة وخنازير، وأنجى من نهاهم عن المعصية والسوء وسكت القرآن عن الطائفة الثالثة، إما تصغيرا لشأنهم أو كما قال طائفة من العلماء إنهم قد هلكوا مع أهل

(1) سورة الأنفال، الآية: 25.

(2) تفسير القرطبي، ج 7/ 374: 375، وراجع أحكام القرآن لابن العربي، ج2/ 847.

(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان وأبو يعلى والخطيب في تاريخ بغداد.

(4) (( فتح الباري، ج 13/ 61.

(5) رواه ابو داود والترمذي والبيهقي وابن حبان وأحمد عن أبي بكر رضي الله عنه، وسنده صحيح.

(6) سورة الأعراف، الآية: 163 ـ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت