وقالت طائفة وهو الصحيح الجامع بين الأدلة إن شاء الله إن الخروج على الحكام الظلمة يخضع لتقييم أهل العلم ورؤساء الناس وأهل الحكمة والخبرة فيهم، فإذا كان الخروج على من فَحُشَ ظلمه لا يترتب عليه فتنة ولا فساد أكبر من الصبر على جوره وظلمه، وجب الخروج عليه دفعا لهذا الظلم الواقع على المسلمين، وإن كان الخروج يترتب عليه في تقديرهم و في غالب ظنهم فتنة أعظم من الصبر عليه وعلى ظلمه مُنِعَ الخروج عليه، وذلك لما يترتب عليه من الفتنة التي تقع على جمهور الأمة، ولما يحدث من انتقام هذا الحاكم ممن خرجوا عليه ومن وافقهم على ذلك أو رضي وإن لم يشارك، وهذا من باب دفع أعظم الشرين بالصبر على أخفهما.
وبهذا الجمع يعمل بكل دليل في محله اللائق به، فيعمل بالأدلة التي توجب الصبر حيث تكون المفسدة في الخروج على الحاكم أعظم من المصلحة في ذلك، ويعمل بأدلة الخروج حيث يتمكن الخارجون في غالب ظنهم من تغيير المنكر.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال في الخلاف في هذه المسألة وتجتمع الأدلة، وبناء على ذلك أيضا لا يصح لأحد أن يقول بوجوب الصبر مطلقا أو بوجوب الخروج مطلقا.
إذ أن القائل بوجوب الصبر على الحكام الظلمة مطلقا سيهدر كثيرا من الأدلة القاضية بوجوب جهاد الحكام الظلمة، وكذلك فإن من قال بوجوب الخروج مطلقا فسيهدر الأدلة التي وردت في الصبر على أئمة الجور وإن ضربوا الظهر وأخذوا المال، وقد أوردنا بعضها فيما سبق، والقول بالتفصيل أعدل الأقوال وأجمعها للأدلة والله تعالى أعلم.
وقد نقل بعض العلماء الإجماع على المنع من الخروج على الحكام الظلمة مطلقا، وهذا محمول على ما إذا كان الخروج سيسبب فتنة لأهل الإسلام ولن يجر إلا الحروب وإراقة الدماء بغير مصلحة متحققة مع العلم أن بعض العلماء قد نقض هذا الإجماع.
تفصيل القول في الخروج على الحكام الظلمة.
القول الأول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز الخروج على الحكام الظلمة عند الاستطاعة مطلقا، لما ثبت في كثير من الأدلة الشرعية من وجوب تغيير المنكر وتحريم السكوت على أهل الفسق والظلم وأن الله تعالى يعاقب كل من حضر المنكر ولم ينكره سواء الفاعل أو الراضي، ومن هذه الأدلة: