النصيحة يكون القصد فيها تحذير المسلم من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد ... إلى قوله رحمه الله: فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة إلى الله من جملة الحسنات. اه [1]
ولا تعارض إن شاء الله تعالى بين ما ذكرناه من جواز إبلاغ الأمير بأمر من يحدث فتنة أو فسادا في الصف وأن هذا من النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر (والأحاديث القاضية بتحريم غيبة المسلم، فإن هذه الأحاديث القاضية بتحريم غيبة المسلم هي الأصل ولكن الاستثناء هو جواز فعل ذلك بقدر الحاجة وعلى وجه النصيحة الخالصة كما أسلفنا وقد بوب النووي في رياض الصالحين باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تدع إليه حاجة كخوف مفسدة ونحوها، فالأصل هو النهي عن نقل أحوال الناس إلى ولاه الأمور، والاستثناء من ذلك هو إذا ما دعت الحاجة إلى نقل أحوالهم لدرء المفاسد والفتن وكشف المفسدين.
والأفضل نصح الأمير سرا
وذلك لما رواه البخاري وكما ذكرنا سلفا أنه قد قيل لأسامة بن زيد رضي الله عنه: ألا تكلم هذا الرجل يعني عثمان رضي الله عنه؟ قال: قد كلمته ما دون أن أفتح بابا أكون أول من يفتحه، ويدل على ذلك ما ورد عن عياض بن غنم أنه قال لهشام بن حكيم ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أراد أن ينصح لذي السلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده في خلو فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه) [2]
وقد دلت أدلة أخرى على جواز نصح الأمير علانية مثل مراجعة المرأة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بشأن مهور النساء وهذه القصة أوردها العلماء في تفسير قوله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطارا) [3] وقد قواها ابن كثير وصححها أحمد شاكر، والأدلة في هذا كثيرة، ويجب مراعاة حال المنصوح في ذلك حتى لا تؤذي هذه النصيحة إلى فساد أعظم والموفق من هداه الله تعالى وأرشده.
ومن أجمع ما جاء في نصيحة الأمراء ما رواه الدارمي في سننه أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة يوما وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له أبو حازم رضي الله عنه، فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له: ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني ... إلى أن قال له
(1) ألروح لابن القيم/ 322، ط: مكتبة المدني.
(2) رواه ابن أبي عاصم في كتابه السنة باب: كيفية نصيحة الرعية للولاة
(3) سورة النساء، الآية: