* ومما يدخل في نصح الأمراء وجماعة المسلمين أيضا إخبار الأمير بكل ما يؤدي إلى إفساد الجماعة أو تفريق كلمتها كوجود بعض العناصر المفسدة فيها ونحو ذلك، وعلى الأمير التثبت والتحقق قبل الحكم فيما يبلغه من ذلك ويدل على صحة هذا:
ما ورد في تفسير قوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون) ، قال أهل التفسير: قال رجل في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل آخر: كذبت ولكنك منافق ولأخبرن رسول الله بما قلت فذهب فأخبره صلى الله عليه وسلم [1] فهذا من النصح لجماعة المسلمين وأئمتهم وليس من الغيبة المحرمة في شيء.
وروى البخاري عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال أيضا: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ماقالوا، فصدقهم رسول الله وكذبني، فأصابني هَمٌّ لم يصبني مثله فجلست في بيتي، فأنزل الله عز وجل (إذا جاءك المنافقون) إلى قوله (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله) إلى قوله (ليخرجن الأعز منها الأذل) فأرسل إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علي ثم قال (إن الله قد صدقك) [2]
ومثل هذا ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة حنين، قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فتغير وجهه ثم قال (رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) [3] ، قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: في هذا الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذروا القائل، وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتهما موجودة في صنيع ابن مسعود هذا ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قصد ابن مسعود كان نصح النبي صلى الله عليه وسلم وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق وليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن من كيدهم. اه [4]
وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ) ) [5] ، فإذا كان النصح لأمرأة من المسلمين في أمر من أمور الدنيا وهو أمر زواجها يجيز ذكر من تقدم لخطبتها بما فيه من المعايب على وجه النصيحة لها، أفلا يكون النصح لجمهور الأمة المسلمة في أمور دينهم مجيزا لذكر معايب البعض إذا اقتضت الضرورة ذلك؟.
قال الخطيب البغداي رحمه الله في شرح هذا الحديث: وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها بقوله عز وجل (ولا يغتب بعضكم بعضا) [6] وزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها بقوله (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم) [7] فهي ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والإزراء به فيما لا يعود إلى حكم النصيحة وإيجاب الديانة من التحذير عن ائتمان الخائن وقبول خبر الفاسق واستماع شهادة الكاذب، وقد تكون الكلمة الواحدة لها معنيان مختلفان على حسب اختلاف حال قائلها في بعض الأحوال يأثم قائلها وفى حالة أخرى لا يأثم، مثال ذلك وساق بسنده إلى عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت امرأة وقالت إنها قصيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اغتبتيها) [8] ، وبسنده إلى الزهري قال: أخبرني ابن أبى رهم الغفاري أنه سمع أبا رهم وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه تحت الشجرة يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وساق الحديث إلى أن قال: فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف من بنى غفار، فأخبرته فقال إذ هو يسألني: ما فعل النفر البيض؟ وقال: الحجاج الحمر الطوال الثطاط؟ فحدثته بتخلفهم فقال: ما فعل السود الجُعد القِطاط؟ وذكر بقية الحديث [9] ، فالكلمتان في القصر لفظهما واحد ومعناهما مختلف، لأن عائشة قصدت العيب والذم
(1) راجع في تفسير هذه الآية: تفسير الطبري ج7/ 171، تفسير القرطبي ج8/ 197، الصارم المسلول لابن تيمية/31ـ 32.
(2) رواه البخاري والترمذي.
(3) رواه البخاري
(4) فتح الباري ج10/ 512).
(5) رواه مسلم وابن حبان والنسائي وأبو داود وأحمد والطبراني والبيهقي ومالك في الموطأ والشافعي في الرسالة.
(6) سورة الحجرات، الآية: 12.
(7) رواه أحمد وأبو يعلى قال الهيثمي: رجاله ثقات، والقضاعي في مسند الشهاب والبيهقي في الشعب والطبري في صريح السنة وابو داود في سننه عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيتهـ (، ورواه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث البراء رضي الله عنه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحلهـ (ونظر ابن عمر رضي الله عنه إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال فيهـ(يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم) ، وعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.
(8) رواه أبو داود وأحمد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة والترمذي وقال: حسن صحيح.
(9) رواه احمد والطبراني في الكبير وابن حبان والبخاري في الأدب المفرد والمعافري في السيرة النبوية وأحمد بن عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني، وقال الهيثمي: في إسنادهما ابن أخي أبي رهم لا أعرفه، ومعنى الثطاط: ثقال البطون أو خفاف شعر اللحية أو الحاجبين يقال: رجل ثط ثقيل البطن بطيء، وقيل: هو القليل شعر اللحية، وقيل: هو الخفيف اللحية من العارضين، وقيل: هو أيضا القليل شعر الحاجبين، ورجل ثط الحاجبين وامرأة ثطاء الحاجبين، وقال ابن الأعرابي: الأثط الرقيق الحاجبين، قال ابن دريد لا يقال في الخفيف شعر اللحية أثط وإن كانت العامة قد أولعت به إنما يقال ثط، وقال ابن بري عن الجواليقي قال: رجل ثط لا غير وأنكر أثط، وفي حديث عثمان (وجيء بعامر بن عبد قيس فرآه أشغى ثطا (وفي حديث أبي رهم سأله النبي صلى الله عليه وسلم عمن تخلف من غفار فقال(ما فعل النفر الحمر الثطاط) هو جمع ثط وهو الكوسج الذي عري وجهه من الشعر إلا طاقات في أسفل حنكه، وروي هذا الحديث (ما فعل الحمر النطانط) جمع نطناط وهو الطويل (راجع لسان العرب ج7/ 267ـ 268 (، والجعد القطاط: يعني شديدي جعودة الشعر، ومفردها جعد قطط أي شديد الجعودة، ويقال: رجل قطط وشعر قطط وامرأة قطط والجمع قططون وقططات وشعر قط وقطط جعد قصير ورجل قط الشعر. (راجع لسان العرب ج7/ 380 (.