على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة فلو لم تكن حاجتهم أشد من حاجة المساكين لما بدأ بهم.
الثاني: أن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره (فعيل بمعنى مفعول) فهو ممنوع من التقلب والكسب قال الشاعر:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
قال ابن الأعرابي: الفقير في هذا البيت: المكسور الفقار ومعلوم أن لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال فثبت بهذا أن الفقير إنما سمي فقيرًا لزمانته وحاجته الشديدة.
الثالث: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر كما في الصحيحين عن عائشة، وقال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» رواه الترمذي من حديث أنس فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لما تعوذ من الفقر وسأل المسكنة فثبت بهذا أن المسكين أحسن حالا من الفقير.
الرابع: قوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (سورة الكهف: 70) فقد وصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر ولم نجد في كتاب الله تعالى ما يدل على أن الفقير يملك شيئًا فكان الفقير أسوأ حالا من المسكين [1] .
الخامس: قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (سورة الحشر 8) فصح أن الفقير لا مال له أصلا لأن الله تعالى أخبر
(1) انظر تفسير الخازن ج 2 ص 234 وتفسير القرطبي ج8 ص 169. وتفسير آيات الأحكام للسايس ج3 ص 33 - 34 والشرح الكبير مع المغني ج2 ص 690، والمجموع شرح المهذب ج6 ص 205.