ويمكن الجمع بينها بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم ما يغني كل واحد فخاطبه بما يناسبه فإن الناس مختلفون في قدر كفايتهم فمنهم من لا يكفيه أقل من خمسين درهمًا، ومنهم من لا يكفيه أقل من أربعين، ومنهم من يكون له كسب يوم يقوم أولا فأولا فيكون غنيًّا فلا يسأل والله أعلم [1] .
وأجيب عن هذه المقادير في حد الغني بأنها واردة في القدر الذي يحرم المسألة إذ هو وارد فيها لا في تحريم الأخذ من الزكاة فتحرم المسألة ولا يحرم الأخذ.
ويجمع بين ما ورد في ذلك من تحريم السؤال على من ملك الغداء والعشاء أو ملك أربعين درهمًا أو خمسين درهمًا بأن القدر الذي يحرم السؤال عنده هو أكثرها وهي الخمسون عملا بالزيادة [2] .
5 -والرواية الثانية عن أحمد: أن الغنى ما تحصل به الكفاية فإن لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجا حلت له الصدقة وإن ملك نصابًا، والأثمان وغيرها في هذا سواء.
وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العكبري من الحنابلة وهو قول مالك والشافعي [3] . وهو الصحيح الذي تؤيده الأدلة.
واستدلوا بما يلي:
أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة بن المخارق: «إن المسألة لاتحل إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه
(1) انظر معالم السنن للخطابي مع مختصر سنن أبي داود للمنذري ج2 ص229 وبلوغ الأماني شرح الفتح الرباني ج9 ص 98 - 99.
(2) انظر نيل الأوطار ج4 ص 182.
(3) انظر معالم السنن للخطابي مع مختصر وتهذيب سنن أبي داود ج2 ص 226 والمغني مع الشرح الكبير ج2 ص 523 - 525 والمجموع شرح المهذب ج 6 ص 196 ص 198. وتفسير القرطبي ج8 ص 171 - 174.