الصفحة 85 من 91

و الأعجب أنّ اهل الحق منذ زمن يُنبزون بأنّهم من الخوارج، و التهمة أنّهم أخذوا ما دلّ عليه القرآن و السنّة، فأجاب هؤلاء الكاذبين الإمام إبن القيّم: ...

و من العجائب أنّهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار و القرآن ...

أنتم بذا مثل الخوارج أنّهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان ...

فانظر إلى ذا البهت هذا وصفهم ... نسبوا إليه شيعة الإيمان ...

سلّوا على سنن الرسول و حزبه ... سيفين سيف يد و سيف لسان ...

خرجوا عليهم مثل ما خرج الأُلى ... من قبلهم بالبغي و العدوان

و قد صنّف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن إدريس الشافعي جزءا سمّاه"تنزيه أئمّة الشريعة عن الألقاب الشّنيعة"ذكر أنّ أهل البدع و الأهواء كلّ صنف منهم يلقّب أهل السنّة بلقب إفتراه - يزعم أنّه صحيح على رأيه الفاسد - كما كان المشركين يلقّبون النبيّ بألقاب إفتروها، فالرّوافض تسمّيهم نواصب، و القدرية يسمونهم مجبرة، و المرجئة تسمّيهم شكاكا - أقول: و في زماننا تسمّيهم تكفيريين أو خوارج -، و الجهمية تسمّيهم مشبّهة، و أهل الكلام يسمونهم حشوية و نوابت [1] و غثاء و غثرا [2] ، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمّي النبيّ عليه الصّلاة والسّلام تارة مجنونا، و تارة شاعرا، و تارة كاهنا، و تارة مفتريا فهذه علامة الإرث الصحيح و المتابعة التّامة، فإنّ السنّة هي ما كان عليه رسول الله عليه الصّلاة والسّلام و أصحابه، إعتقادا و إقتصادا و قولا و عملا، فكما أنّ المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة - و إن إعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة - فكذلك التابعون له على بصيرة الّذين هم أولى الناس به في المحيا و الممات، باطنا و ظاهرا. [3]

قال [4] الشيخ صالح الفوزان: من مناهج الجاهلية كذلك: أنّهم لا يكتفون بالشكوى إلى أصحاب القوّة و الإنتقام، بل يصفون أهل الإيمان بالمفسدين في الأرض، كما قالوا لفرعون:"أتذر موسى و قومه ليفسدوا في الأرض"، سمّوا الإصلاح إفسادا، و الحقّ هو العكس، أنّ الإيمان و التوحيد: إصلاح في الأرض، و أنّ الكفر و الفسوق و الظلم و الطغيان: إفساد في الأرض؛ فالّذي عليه موسى و قومه إصلاح، و الّذي عليه فرعون و قومه إفساد، لكنّهم عكسوا الأمر، فسمّوا الإصلاح إفسادا، و هذا دأب الكفار و المشركين و المنافقين دائما، يسمّون المصلحين و الدّعاة إلى الله على بصيرة، و يسمّون المؤمنين و الموحدين الّذي يدعون إلى توحيد الله و عبادته، يسمّونهم بالمفسدين في الأرض؛ و

(1) - نوابت أي الأغمار من الأحداث، و سبحان الله البعض يتّهم أهل الحق و خاصّة أهل الجهاد بهذه التهمة في هذا العصر.

(2) - الغثر أي سفِلة الناس

(3) - مجموع الفتاوى للشيخ الإسلام إبن تيمية (3/ 5 / 73)

(4) - شرح المسائل الجاهلية (ص: 137)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت