المذاهب الهدّامة المناقضة لحكم الإسلام كفار ضلال أكفر من اليهود و النصارى، لأنّهم ملاحدة لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر. إنتهى.
و مع ذلك فقد قال الشيخ إبن باز في نفس الوثيقة الّتي يحتجّ بها المخالف: إذا إمتنع من تحكيم شرع الله وجب قتاله كما حصل لمانعي الزكاة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فالإمتناع قرينة دالة على كفر الممتنع، قال [1] شيخ الإسلام: و قد إتفق علماء المسلمين على أنّ الطائفة الممتنعة عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنّه يجب قتالها إذا تكلّموا بالشهادتين و إمتنعوا عن الصّلاة و الزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن الحكم بينهم بالكتاب و السنّة أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات المحارم أو عن إستحلال النفوس و الأموال بغير حق أو الربا أو الميسر أو الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب و نحو ذلك من شرائع الإسلام فإنّهم يقاتلون عليها حتّى يكون الدّين كلّه لله. إنتهى
و هؤلاء الّذين يُحكّمون القوانين الوضعية كلّهم يمتنعون من تحكيم شريعة الله تعالى.
و القول الحق فيما ذهب إليه الشيخ إبن باز رحمه الله على حسب الوثيقة، هي زلّة منه لمخالفته النصوص الواضحة في المسألة كما قال العلاّمة الشنقيطي رحمه الله تعالى، و لمخالفته إتفاق العلماء بل إجماعهم كما نصّ عليه الإمام إبن كثير، و قلتُ عن رأي الشيخ إبن باز زلّة دون إختيار الشيخ الألباني، لأنّ إختيار الشيخ الألباني المشهور عنه موافق لأصوله، إذ لا يرى من الأعمال كفر مطلقا إلاّ إذا كان معه جحود، أمّا الشيخ إبن باز فبإختياره الّذي هو في الوثيقة مخالف لأصوله، و للأدلّة و للإجماع، فكان رأيه زلّة منه رحمه الله تعالى، و الموقف الصحيح مع زلاّت العلماء هو ما ذكره الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، حيث قال [2] : لابد من النظر في أمور تبنى على هذا الأصل:
منها: أن زلة العالم لا يصح إعتمادها من جهة، و لا الأخذ بها تقليدًا له، و ذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، و لذلك عُدَّت زلةً، و إلاّ فلو كانت معتدًا بها لم يُجعل لها هذه الرتبة، و لا نُسِب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنّه لا ينبغي أن يُنسب صاحبها إلى التقصير، و لا أن يُشنَّعَ عليه بها، و لا يُنتَقَصَ من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا، فإنّ هذا كلّه خلاف ما تقضي رتبته في الدّين ... و منها: أنه لا يصح اعتمادها خلافًا في المسائل الشرعية، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن إجتهاد، و لا هي من مسائل الإجتهاد، و إن حصل من صاحبها إجتهاد فهو لم يصادف فيه محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد و إنما يُعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، و أمّا إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا، فلذلك لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة
(1) - مجموع الفتاوى (28/ 545) و نحوه في (28/ 501)
(2) - الموافقات 4/ 170