ومن الآيات الدالّة على نحو ما دلّت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى:"إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ" [1] ، فصرّح بتولّيهم للشيطان أي بإتباع ما يزيّن لهم من الكفر والمعاصي مخالفًا لما جاءت به الرسل، ثمّ صرّح بأنّ ذلك إشراك به في قوله تعالى:"وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ"وصرّح أنّ الطّاعة في ذلك الذي يشرّعه الشيطان لهم ويزيّنه عبادة للشيطان.
ومعلوم أنّ من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمان قال تعالى:"أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين ٌوَأَنِ اعْبُدُونِى هَاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا"، ويدخل فيهم متبعوا نظام الشيطان دخولًا أولياء"أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ" [2] .
ثم بيّن المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا، في قوله تعالى:"هَاذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [3] ، وقال تعالى عن نبيّه إبراهيم:"ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا" [4] ، فقوله:"لا تعبد الشيطان": أي بإتباع ما يشرّعه من الكفر والمعاصي، مخالفًا لما شرّعه الله.
وقال تعالى:"إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا" [5] ، فقوله:"وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا"يعني ما يعبدون إلاّ شيطانًا مريدًا.
وقوله تعالى:"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَاؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ" [6] .
فقوله تعالى:"بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ"أي يتّبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرّعون ويزيّنون لهم من الكفر والمعاصي على أصحّ التفسيرين.
والشيطان عالم بأنّ طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرّح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة، كما نصّ الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى:"وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الاٌّمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ"إلى قوله:"إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ" [7] ، فقد إعترف بأنّهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلاّ يوم القيامة.
(1) - سورة النحل، آية: 100
(2) - سورة يس، آية: 60 - 62
(3) - سورة يس، آية: 63 - 65
(4) - سورة مريم، آية: 44
(5) - سورة النساء، آية: 117
(6) - سورة سبأ، آية: 40 - 41
(7) - سورة إبراهيم، آية: 22