فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا:"وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ"، ثم قال مبيّنًا صفات من له الحكم:"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الاٌّنْعَامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَلِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ" [1] .
فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنّه الربّ الذي تفوَض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنّه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنّه هو الذي خلق للبشر أزواجًا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى:"ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ" [2] الآية، وأنّه"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".
وأنّه"لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاواتِ وَالارْضِ"، وأنّه"هُوَ الَّذِى * يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ"أي يضيّقه على من يشاء"وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ"؟!.
فعليكم أيّها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرّع ويحلّل ويحرّم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل.
ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى:"فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاٌّخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا" [3] ، فقوله فيها:"فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ"كقوله في هذه:"فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ".
وقد عجب نبيّه صلى الله عليه وسلم بعد قوله:"فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ"من الذين يدّعون الإيمان مع أنّهم يريدون المحاكمة، إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم المعبّر عنه في الآية بالطاغوت، وكلّ تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت،
وذلك في قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" [4] .
فالكفر بالطاغوت، الذي صرّح الله بأنّه أمرهم به في هذه الآية، شرط في الإيمان كما بيّنه تعالى في قوله:"فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى" [5] .
(1) - سورة الشورى، آية: 10 - 12
(2) - سورة الأنعام، آية: 143
(3) - سورة النساء، آية: 59
(4) - سورة النساء، آية: 60
(5) - سورة البقرة، آية: 256