الصفحة 41 من 91

يكفر، فلا بدّ أن نعرف أنّ هذه الكلمة من إخبار رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ما سيقوله أهل الجنّة فيمن دخلوا متأخرين للجنان، ثمّ لا بدّ أن نفهم هذه الكلمات من خلال السياق العام للحديث، ثمّ علينا أن نفهم هذه الكلمة على وفق النصوص الأخرى لا سيما إذا كانت هذه النصوص من روايات هذا الحديث الّذي جاءت فيها هذه الكلمة، ثمّ لا بدّ أن نفهم الكلمة على وفق فهم السلف لها الّذين إستقامت أقوالهم في مسائل الإيمان، بهذا الأسلوب العلمي نخرج عن صنيع أهل الزيغ الّذين يتّبعون المتشابه و يتركون المحكم، و الله وليّ التوفيق.

فرواية أبي هريرة توضح و تبيّن مراد قول أهل الجنّة في الّذين أُدخلوا الجنّة بعدما امتحشوا: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنّة بغير عمل عملوه و لا خير قدّموه.

فتبيّن أن عبارة: بغير عمل عملوه و لا خير قدّموه. عمومها غير مراد بدليل أنّهم كانوا من أهل السجود، و معنى العبارة تلك هو ما قاله الإمام إبن خزيمة: هي من جنس نفي الإسم عن الشيء لنفي كماله و تمامه.

تنبيه:

البحث فيمن ترك الصّلاة بالكلّية، أو كان الغالب عليه تركها، أمّا من يصلي و يترك فهذا لا يكفر على أصحّ الأقوال، قال شيخ الإسلام: فأمّا من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون. إنتهى

و قال تلميذه الإمام إبن القيّم في كتابه الصّلاة: والذي يظهر في الحديث والله أعلم بمراد رسوله - يقصد بالحديث"فإن من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله"أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدًا، فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين في يوم معين، فهذا يحبط عمل ذلك اليوم، فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابل الترك المعين. إنتهى

و بما مرّ من كلام العلماء المتقنين يظهر أنّ مسألة ترك الصّلاة لها منحيين: الأوّل من تركها بالكلّية فهذا لا خلاف فيه بين علماء القرون الأولى أنّه كافر.

قال [1] الإمام إبن القيّم: على أن نقول لا يصر على ترك الصّلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأنّ الله أمر بها أصلا، فإنّه يستحيل في العادة و الطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أنّ الله فرض عليه كلّ يوم و ليلة خمس صلوات، و أنّه يعاقبه على تركها أشدّ العقاب، و هو مع ذلك مصرّ على تركها، هذا من المستحيل قطعا، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإنّ الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان. إنتهى

(1) - كتاب الصّلاة (ص: 40)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت