الحمد لله معز من نصر التوحيد ومذل من جادل عن الشرك والتنديد، والصلاة والسلام على نبينا المبشر بمن يبعثهم الله عز وجل في كل زمان لإظهار الدين والتجديد؛ لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يقيموا الدين بالقرآن والحديد ..
وبعد فهذا الكتاب الثاني الذي طالعته لأخينا الشيخ الفاضل أبي حفص الجزائري حفظه الله ونفع به واستعملنا وإياه في نصرة دينه .. وهو في هذا الكتاب الطيب يعالج مسألة وتهمة وفرية؛ طالما رمي بها أهل الحق في هذا الزمان، وهي أنهم أصحاب (المنهج التكفيري) ! سنّها بهذا اللفظ المحدث طواغيت زماننا وأذنابهم من أهل التجهم والإرجاء، وإلا فاتهام أهل السنة والجماعة ورؤوسهم وعلمائهم الصادقين ودعاتهم الصادعين بشتى التهم المنفرة والمشوّهة هو ديدن أهل البدع، كما بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث ذكر (أن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يُسمّون من أثبت شيئًا من الصفات مُشبّهًا -كذبًا منهم وافتراء- حتى أن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس، من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة، موسى حيث قال:(( إن هي إلا فتنتك ) )وعيسى حيث قال: (( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) )ومحمد صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا ... ) . حتى إن جُل المعتزلة تُدخل عامة الأئمة، مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وغيرهم، في قسم المُشبّهة.
وقد صنّف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه (تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة) ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صِنفٍ منهم يُلقب أهل السنة بلقب افتراه -يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد- كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بألقاب افتروها. فالروافض تسميهم نواصب [1] ، والقدرية يسمونهم مجبرة. والمرجئة تسميهم شكاكًا [2] ، والجهمية تسميهم مشبّهة. وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونوابت [3] ... ، وغثاء، وغُثرا [4] ... ، وإلى أمثال ذلك. كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مفتريًا.
قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة ... ).
إلى قوله: ( ... ومن حكى عن الناس المقالات، وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها، فهو وربّه، والله بالمرصاد. ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) أهـ.
من مجموع الفتاوى (ط. دار ابن حزم) (5/ 72 - 74) .
(1) - أي ممن يناصبون أهل البيت العداء بزعمهم.
(2) - لأنهم يجيزون مقولة (أنا مؤمن إن شاء الله) .
(3) - النوابت: هم الأغمار من الأحداث.
(4) - الغثر: سفلة الناس.