فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 47

وهكذا فمن حكمة الله تعالى في شهود هذين المرضين وغيرهما عند الوليد ارتداع الناس عن اقتراف جريمة الزنا والشذوذ الجنسي التي تترافق بانتشار هذه الأوبئة والأمراض الخبيثة عافانا الله وإياكم منها.

ومن جهةٍ أخرى، فإن بعض الأمراض والتشوهات الخلقية تحدث عند الجنين نتيجة التعرض للسموم والقاذورات عن طريق تعاطي الحامل لها، كالمخدرات والخمور ونحوها، ولكم كنا نشاهد في الولايات المتحدة الأمريكية من إصابات الولدان الخلقية نتيجة تعاطي الأمهات للكوكائين والخمر وغيرها من السموم [1] ، ولقد وصفت المراجع الطبية في السنوات الأخيرة حالة تسمى"متلازمة الطفل الكحولي"حيث تُصاب أجنة الحوامل اللواتي يرتكبن جريمة شرب الخمر بنقصٍ في نمو الدماغ والرأس والجسم وإصابة القلب والهيكل العظمي باعتلالات خلقية مختلفة مع نقص ذكاء هؤلاء الأطفال المصابين بهذه المتلازمة التي ما هي إلا جريمة نكراء ترتكبها الحامل في حق ربها ونفسها وطفلها ومجتمعها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فمن حكمة الله تعالى أن يشاهد الناس هذه الأمراض والاضطرابات الخلقية الناجمة في الحقيقة عن مخالفة أمر الله وتعدي حدوده، بل قد تكون الإصابة بهذه الأمراض الخلقية عند الجنين مظهرًا من مظاهر رحمة الله تعالى بهذه الحامل العاصية لله إذا ما أفضت مشاهدتها وتدبرها في مصابها بطفلها إلى توبةٍ نصوح تجبُّ ما قبلها فيكون هذا الابتلاء في الدنيا خير لها من أن تطعم طينة الخبال [2] التي توعد الله تعالى بها من عاقر الخمر في الدنيا؛ ورب معصيةٍ أورثت بالتوبة ذلًا وانكسارًا خير من طاعةٍ أورثت عُجبًا وافتخارًا، فحكمة الله تعالى في استخراج توبة عبده بما يورثه ذنبه من ابتلاء وذل وخضوع لله تعالى من أعظم حكمه سبحانه وتعالى في هذا المشهد.

ولا يفوتني هاهنا التنبيه على سمٍ آخر يُعرض كثير من الآباء والأمهات أجنَّتهم وأطفالهم له ألا وهو التبغ أو الدخان حيث إن تعاطي الحامل - أو من حولها - لهذا المحرَّم يؤذي جنينها ويؤدي إلى نقص نمو الجنين ويؤثر على سلامته بما يحدثه من تأثيرات على الأوعية الدموية المشيمية المسؤولة عن تغذية الجنين ووظائفه الحياتية المختلفة.

ولكأن الحال في مشاهدة هذه الأمراض الخلقية الناجمة عن معصية الله تعالى أن الله تعالى ينبهنا إلى عواقب هذه المعاصي في الدنيا حيث الضنك والابتلاء بالمكروه، فما بالنا بعقوبة الآخرة وعذابها؟ لا جرم أن هذه العقوبات الدنيوية ليست بشيء أمام عقوبة الآخرة، قال تعالى:"كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" [3] ، بل انظر إلى نكتة لطيفة هنا وهي كون هذه الأمراض الخلقية الناجمة عن المعصية أمراض وآفات دائمة وكأنها إشارة إلى الوعيد بعذابٍ دائمٍ في الآخرة، فتنبه لهذا فإنه دقيق جدًا.

(1) وإن هؤلاء القوم لا يهنأ لهم بال حتى ينفثوا سمومهم هذه في مجتمعاتنا وبين ظهرانينا لتنتشر الفاحشة فينا كما انتشرت فيهم وتنتشر الأمراض الخبيثة فينا كما انتشرت فيهم ويأخذنا الله بعذاب كما يوشك أن يأخذهم، فتنبه!

(2) طينة الخبال عصارة أهل النار توعد الله شارب الخمر أن يسقيه إياها والعياذ بالله

(3) سورة القلم - آية 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت