وقد ثارت نفسي حقًا لمنظر هذه المقاهي وهذه الحوانيت التي تتجر في السِّبَح والمنسوجات وما إليها مما يتبرك الحجيج به، وزاد نفسي ثورة منظر صيارفة النقود الذين يصكون الآذان بصرير ريالاتهم السعودية إعلانا بها عن أنفسهم.
وليس ذلك كل ما يثير النفس لحال المسعى، فقد بلغ من إهمال شأنه، وهو منسك من مناسك المسلمين، حدًّا بعيدًا، واجتياز بعض الطرق إياه، ومرور الدواب والعربات والسيارات في هذا الطريق بين الساعين بعض مظاهر هذا الإهمال، فإذا أنت تحدثت في ذلك قيل لك: وما عساك كنت تقول من عهد قريب وقبل أن ترعى الحكومة الحاضرة هذا المنسك بعنايتها؟.
لقد كان المسعى في صدر الإسلام طريقًا مستقيمًا، يصل بين ربوتي الصفا والمروة، متصلًا بما حوله من فسيح الصحراء وهضابها، وتطل عليه الجبال المحيطة بمكة، أما منذ مئات من السنين فقد بلغ من طغيان الدور التي أقيمت في حرمه أن أعوج اعوجاجًا يحول دون رؤية الصفا من المروة، أو رؤية المروة من الصفا، كما حال سقفه بين الساعين وفسحة الجو وبهاء السماء، وأحيلت كل من الربوتين درجًا أحيطت جوانبه الثلاثة بالجدران، أما أرضه فقد رصفت بالحجر رصفًا غير منتظم )) [1] .
(1) في منزل الوحي، لمحمد حسين هيكل، نشر: دار المعارف - القاهرة، الطبعة الثامنة، 1986، ص 107 - 108.