الصفحة 31 من 40

والذي ينبغي أن يعرف أولًا أن اعتماد من أجاز الزيادة على العشرة ليس مقتصرًا على النظر فحسب، بل عليه وعلى الأثر وذلك مما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم من القضايا المتعددة والمشتهرة التي قضوا فيها بالزيادة على عشرة أسواط بكثير، وهذا في غير الحدود المقدرة، وقبل ذلك ما ورد عن النبي r في ذلك - إن صح عنه - فأقوال وأفعال الصحابة الثابتة عنهم في ذلك لا ينبغي إهمالها وتجاوزها في فهم النص والوصول إلى مدلوله الصحيح، لأنهم أعرف الناس بألفاظ الشارع وأكثرهم إدراكًا لعرفه، وأعظمهم إحاطة بالمعاني المقصودة من كل لفظ، بل الواجب أن نسعى للوصول إلى فهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا عبر أفهامهم، وأن نسلك في إدراك المعاني الصائبة مسالكهم، وأن لا نجعل أقوالهم وأفعالهم المتواطئة المنبثقة من فهمهم للنص في طرف، ثم ننحاز بالنص الشرعي إلى طرف آخر لنحكم على تلك الأقوال والأفعال المتفقة على معنى عام يشمله النص بالخطأ والمخالفة، فكيف إذا ثبت أن هذا الحديث لم يذهب أحد من الصحابة بل ولا من التابعين إلى العمل بما ظنه البعض ظاهرًا فيه؟، فهذه أقوال أرباب استقصاء الآثار وتتبع المرويات، والتفتيش عن الأخبار صحيحها وضعيفها من أمثال الإمام ابن أبي شيبة، والإمام ابن حزم، والإمام ابن عبد البر، والإمام ابن حجر وغيرهم لم يذكروا أن أحدًا من الصحابة ولا من التابعين قد ذهب إلى أن الزيادة على عشرة أسواط لا تجوز أخذًا من هذا الحديث، إلا أن الحافظ ابن حجر نسب هذا القول لبعض التابعين ولم يسمه، فقال في بيان بعض الأوجه التي رُد بها الاستدلال بهذا الحديث: [ومنها: أنه منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين] (1) ، بل أقوالهم وأفعالهم تدل على خلاف ذلك كما سنذكر طائفة منها في موضعها إن شاء الله، وأقدم من عرف عنه هذا القول فيما نقله أهل الآثار الليث بن سعد -رحمه الله-، وبعيد كل البعد أن يبقى حديث كهذا - وفي مسألة هي في غاية الأهمية، فالناس في أشد الحاجة إليها لتكرر موجبها - خافيًا حكمه على كبار وصغار الصحابة والتابعين، بل مع العمل والفتوى بخلافه، مع وجود رواة الحديث بين أظهر من قضى بالزيادة على العشر، وتكرر ذلك منه، من غير أن يعلم أن هناك مخالفًا أو منكرًا منهم على الخروج عن مفهوم النص فإن هذا من أمحل المحال والله تعالى أعلم.

وبعدُ فعودة إلى اعتراض العلامة ابن دقيق العيد -رحمه الله-، فمن المتفق عليه أن لفظة حدود الله قد وردت في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ويراد بها معاني متعددة، وليست محصورة في معنى العقوبات المقدرة التي جرى عليها عرف الفقهاء واستقر اصطلاحهم، فهذه المقدمة ينبغي أن لا يختلف فيها لثبوتها الجلي بآيات وأحاديث عدة، وما دام اللفظ يحتمل اندراج كل المعاني فيه واشتماله عليها فالواجب حمل اللفظ عليها ليكون الحكم منسحبًا على كل فرد من أفراد المعنى، ولا يستثنى من تلك المعاني شيء إلا بدليل ثابت صحيح، فقول النبي r في الحديث: [إلا في حد من حدود الله] ، يعد صالحًا لأن يشمل كل ما يدخل في حدود الله من المعاني الشرعية، ولا شك أن ذلك لا يقتصر على العقوبات المقدرة فحسب، وما دام اللفظ يمكن إجراؤه على تلك المعاني كلها فمن أين لنا أن نخرج بعضها ونبقي بعضها بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟، فحمل هذا اللفظ على معنى الحد حسب اصطلاح الفقهاء هو في الوقت نفسه تفريغ للّفظ من باقي معانيه وهذا لا يكون بغير دليل شرعي، فإذا انضم إلى صلاحية شمول اللفظ لكل ما يسمى شرعًا (حدود الله) فعلُ الصحابة والتابعين بخلاف المفهوم السائد بين الفقهاء ازداد تأكد دخول باقي المعاني في اللفظ ووجب حمله عليها جميعها.

أما كون التعزير مقتصرًا على المحرمات فقط فإذا أدْرَجناها جميعها في معنى الحد فلا يبقى للاستثناء فائدة، فجوابه أن ما ليس محرمًا لا يجوز التعزير عليه أصلًا حتى يقال لا يضرب فيه أكثر من عشرة أسواط، لأن حكم التحريم إنما يثبت في حق المكلف الذي هو البالغ العاقل، أما إن اختل أحد هذين الوصفين (البلوغ والعقل) أو هما معًا فإن أفعالهم في تلك الحال لا توصف بالتحريم إذا ما أضيفت إليهم، وإن كان محرمًا بالنظر إلى أصل نهي الشارع عنه نهيًا جازمًا، فإن المحرم -كما عرِّف بآثاره: [هو ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه امتثالًا] ، وهؤلاء لا يعاقبون عقابًا أخرويًا على فعل ما نهى الشارع عنه، ورغم ذلك فإن المجنون الذي يعتدي على الناس ويؤذيهم فيجوز عقابه بالضرب، أو الحبس، أونحو ذلك، وكذلك الصبي المميز تجوز معاقبته على ارتكاب المحظورات الشرعية أو على تركه لبعض الأوامر المتحتمة كالصلاة بعد العشر كما أمر النبي r رغم أنها ليست واجبة عليه وجوبًا تترتب عليه أحكام تركها، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [فأما التعزير بالضرب ونحوه، فلم يرفع عن المميز من الصبيان، بل قال النبي r:"مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع"، فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى، وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع، أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته] (1) ، فهذه صور لأفعال يجوز التعزير عليها مع أنها إذا ما أضيفت إلى فاعليها فلا توصف بالحرمة، لأن وصف التحريم فرع عن التكليف، وأصحابه هنا ليسوا بمكلفين، فعلى مثل هذه الصور يحمل الاستثناء في الحديث والله تعالى أعلم.

الثالث: نقل العلامة ابن دقيق العيد قول عبد الرحمن بن عوف: [أخف الحدود ثمانون] ثم قال: [فإنه يقطع دابر هذا الوهم، ويدل على أن مصطلحهم في الحدود إطلاقها على المقدرات التي يطلق عليها الفقهاء اسم"الحد"فإن ما عدا ذلك لا ينتهي إلى مقدار أربعين فهو ثمانون، وإنما المنتهي إليه هي الحدود المقدرات] (2) ، وقد نقلنا كلام الإمام الشوكاني واستدلاله بهذا الأثر على ما قاله ابن دقيق العيد، وأصرح من هذا الأثر أحاديث نبوية كثيرة تدل على إطلاق الحد على المقدرات كقوله r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، وكما ذكرنا من قبل فإن من حمل الحديث على المعاصي بعمومها (حقوق الله) لا ينازع في أن الحد حسب اصطلاح الفقهاء قد ورد في كلام الشارع ولكن لا يرتضي حصر واختزال معنى الحدود فيما ذهب إليه الفقهاء، والفرق بين القولين بيّن والله تعالى أعلم.

إذًا فالمترجح والله أعلم هو جواز الزيادة على عشرة أسواط في التعزير، لأن الحديث يدل على ذلك ولا ينافيه ويؤيده ولا يعارضه، ولكن ما كان من المعاصي قد شرع في جنسه حد من الحدود المقدرة فلا يجوز أن يبلغ بالتعزير الحد المقدر، وذلك هو المشهور من أفعال الصحابة رضوان الله عليهم، ومن جهة النظر فإن المعاصي التي شرعت فيها الحدود المقدرة تعتبر على العموم من أقبح الموبقات، وأفظع المحرمات، وقد شرع الله فيها ما يعلم أنه زاجر عنها، فما ارتكب من المعاصي وهو من جنسها فهو بلا شك دونها في القبح، والمراعى في التعزير هو اختيار العقوبة الأنسب من غير زيادة ولا نقصان، فإذا قيل بالزيادة على الحدود في المعاصي التي هي من جنس ما شرعت له فإن ذلك يعتبر عقوبة زائدة على القدر المطلوب، فمن قبّل امرأة أجنبية فإن عقوبته تكون دون حد الزنا، ومن قذف بغير الزنا فضربه يكون أقل من حد القذف، ومن سرق من غير حرز أو دون النصاب فيعاقب بما دون القطع وهكذا، ولكن قد تجتمع في شخص واحد معاص عدة وهي بمجموعها من جنس ما شرع فيه حد من الحدود فيجوز في هذه الحالة أن يعاقب على كل معصية بمفردها ولو أدى مجموع أسواط التعزير على تلك المعاصي إلى مجاوزة الحد والله أعلم.

قال ابن الشاط المالكي في تعليقه على فروق القرافي: [قلت جميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، لكنه أغفل من الأجوبة عن قوله r:"لا تجلدوا فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله"أصحها وأقواها، وهو أن لفظ الحدود في لفظ الشارع ليس مقصورًا على الزنا وشبهه، بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه، فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى، فإن قيل: الحديث يقتضي مفهومه أنه يجلد عشر جلدات فما دونها في غير الحدود، فما المراد بذلك؟ الجواب: أن المراد به جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم] (1) ، وقال ابن فرحون: [وتأول أصحابنا الحديث على أن المراد بقوله في غير حد ... إلخ أي في غير حق من حقوق الله تعالى، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها لأن، المعاصي كلها من حدود الله تعالى] ، وقال الإمام ابن القيم: [فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي r:"لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"قيل: نتلقاه بالقبول، والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرناه، فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك، فإنه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة، كقوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، وقوله:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال، وقال النبي r:"إن الله حد حدودا فلا تعتدوها"... ، ويراد به تارة جنس العقوبة، وإن لم تكن مقدرة، فقوله r:"لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، يريد به الجناية التي هي حق الله، فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المراد بالحد الجناية؟، قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط، فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق] (1) ، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وأما تسمية العقوبة المقدرة حدًا فهو عرف حادث، ومراد الحديث: إن ضرب لحق نفسه - كضرب الرجل امرأته في النشوز - لا يزيد على عشر جلدات] (2) والأولى أن يقال: إن تخصيص الحد بالعقوبات المقدرة عرف حادث، أما تسميته به فقد ورد في أحاديث وآثار كثيرة كما رأينا والله أعلم.

وهذا من حيث جواز الزيادة على العشرة، أما من حيث عدم تجاوز الحد في المعاصي التي شرع في جنسها عقوبة مقدرة فقد نقلنا في ذلك أقوال المذاهب المشهورة، وما من مذهب إلا وفيه هذا القول، إلا المالكية فإنهم يجوّزون العقوبة بما أدى إليه اجتهاد الإمام مطلقًا دون نظر إلى ما شرع في جنسه حد، والأول هو الذي رجحه شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، قال شيخ الإسلام: [وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، أحدهما: عشر جلدات، والثاني: دون أقل الحدود إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والثالث: إنه لا يتقدر بذلك، وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر، مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به الحد، وهذا القول أعدل الأقوال عليه دلت سنة رسول الله r وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي r بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة، ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة، وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وضرب صبيغ بن عسل لما رأى بدعته ضربًا كثيرًا لم يعده] (1) ، وقال الإمام ابن القيم: [الثاني - وهو أحسنها - أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها، فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد] (2) ، وقال الزركشي الحنبلي -رحمه الله-: [وقال أبو محمد - هو ابن قدامة: إن كلام أحمد في وطئ الأمة المشتركة ونحوها، وكلام الخرقي يحتمل أن لا يبلغ بالتعزير في الذنب حد جنسه، ويجوز أن يزيد على حد جنس آخر، وهو أقعد من جهة الدليل وإلى هذا ميل أبي العباس - هو ابن تيمية -، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أن رجلًا نقش على خاتمه، وأخذ من بيت المال، فضربه مائة، وضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وهذا كله دون حد جنسه وهو القطع، وحديث النعمان لم يبلغ به الحد في جنسه، لأن حد واطئ جارية امرأته الرجم لأحصانه، وكذلك قصة عمر والخلفاء - رضي الله عنهم - في الأمة المشتركة، وفيمن وجد مع امرأة في لحاف، ويحمل حديث أبي بردة - رضي الله عنه - على أن أحدًا لا يؤدب فوق عشرة أسواط، والتأديبات تكون في غير محرم، وقوله:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [وذلك يشمل الحدود المقدرة وغيرها] (3) .

وكما نرى فقد دلت آثار الصحابة رضوان الله عليهم في مواضع متعددة على جواز الزيادة على العشرة في التعزير في قضايا متعددة ومشهورة بينهم منها:

الأولى: ضرب عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل عندما كان يسأل عن المتشابه من القرآن،، ولفظها عنده كما ذكره الزرقاني قال: [وأخرج ابن الأنباري وغيره بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر، فسأله عن الذاريات الحديث .. وفيه فأمر عمر فضرب مائة سوط، فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى حرم على الناس مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى، فحلف له أنه لا يجد في نفسه شيئًا، فكتب إلى عمر أنه صلح حاله، فكتب إليه خل بينه وبين الناس، فلم يزل صبيغ وضيعًا في قومه بعد أن كان سيدًا فيهم] (1) ، فهذا عمر رضي الله عنه يضرب صبيغًا ضربًا متكررًا متفرقًا حتى ورد في بعض الروايات أنه أدمى رأسه، وفي بعضها حتى ترك ظهره وبرة، وفي مجمع من الصحابة، ثم أمر أبا موسى الأشعري بأن ينهى الناس عن مجالسته، مما يعني زيادة تأكيد اشتهار قصته ومعرفة الناس بها، وورد في بعض الروايات أنه حرمه عطاءه، فيكون عمر قد جمع عليه من العقوبات التعزيرية: الضرب، والهجر، والمنع من المال، ومحال تكون قصة كهذه لم تبلغ أبا بردة رضي الله عنه راوي حديث:"لا يجلد فوق عشر أسواط إلا في حد من حدود الله"، وأمحل من ذلك أن تبلغه ويكون معنى الحد عنه وعند عمر العقوبات المقدرة ثم لا ينبه عمر لمخالفته الحديث، فإن الصحابة رضوان الله عليهم معروفون بالنصح لبعضهم، والتذكير عند نسيانهم، وعدم خوفهم في الله لومة لائم، ولاشتهار القصة بين السلف، ومعرفتهم بها، وأن ضربها خرج عن القدر المألوف والمعروف في باقي الجنايات، قال ابن عباس في حق الذي ألح عليه في السؤال عن معنى الأنفال: [أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب] ، فقد روى مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: [سمعت رجلًا يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، قال ثم عاد الرجل لمسألته، فقال: ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه، ثم قال بن عباس أتدرون ما مثل هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب] (2) ، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا، فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن:] وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا[فقال: ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر، وضربه الضرب الشديد.

وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ، وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:"إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه"، وكما قال تعالى:]فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ [، فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد، كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي r عن ذلك وقال:"لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض"فإن ذلك يوقع الشك في قلوبهم] (1)

الثانية: عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال أتي علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ثم قال إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله عز وجل (2) .

فهذا علي رضي الله عنه جلد النجاشي عشرين جلدة بعد حبسه، وهي زيادة على عشرة أسواط، وزيادة على حد شارب الخمر سواء قلنا أربعين أم ثمانين، ثم بيّن سبب ذلك الجلد وهو إفطاره في رمضان وجرأته على الله تعالى.

الثالث: ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن حميد الأعرج عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري ولا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطًا، فهذا الأثر الصحيح عن عمر - وإن كان ألزم فيه أبا موسى بعدم الزيادة على العشرين - يدل على أن عمر رضي الله عنه يجوّز الزيادة على عشرة أسواط، ولو كان أبا موسى رضي الله عنه يرى عدم الزيادة على عشرة لرد الأمر على عمر أو نبهه على ذلك، بل قد ورد أن أبا موسى ضرب في التعزير عشرين سوطًا كما روى ذلك البيهقي بسنده:[أن رجلًا كان ذا صوت ونكاية على العدو مع أبي موسى فغنموا مغنمًا، فأعطاه أبو موسى نصيبه ولم يوفه، فأبى أن يأخذه إلا جميعًا، فضربه عشرين سوطًا وحلق رأسه، فجمع شعره وذهب به إلى عمر رضي الله عنه، ... فأخرج شعرًا من جيبه، فضرب به صدر عمر رضي الله عنه، قال مالَكَ؟ فذكر قصته، قال فكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى:

سلام عليك، أما بعد: فإن فلان بن فلان أخبرني بكذا وكذا ـ وإني أقسم عليك إن كنت فعلت ما فعلت في ملأ من الناس، جلست له في ملأ من الناس فاقتص منك، وإن كنت فعلت ما فعلت في خلاء فاقعد له في خلاء فليقتص منك، قال له الناس: اعف عنه، قال: لا والله، لا أدعه لأحد من الناس، فلما دفع إليه الكتاب قعد للقصاص رفع رأسه إلى السماء قال قد عفوت عنه لله] (1) .

وظاهر من هذه القصة أن عمر لم يكن إنكاره على أبي موسى بلوغه في التعزير عشرين سوطًا، وإنما لأجل منع الرجل من حقه وضربه لما طالبه به، وحلقه لرأسه من غير موجب، ولعل هذه القصة هي التي دفعت عمر إلى أن يكتب لأبي موسى أن لا يبلغ بنكال عشرين سوطًا والله أعلم.

الرابع: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: [أتي عبد الله بن مسعود برجل وجد مع امرأة في لحاف، فضرب كل واحد منهما أربعين سوطًا، وأقامهما للناس، فذهب أهل المرأة وأهل الرجل، فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لابن مسعود: ما يقول هؤلاء؟ قال: قد فعلت ذلك، قال أوَ رأيت ذلك؟ قال: نعم، فقال: نِعْمَ ما رأيت، فقالوا أتيناه نستأذنه فإذا هو يسأله] (2) .

فهذا أثر ثابت صحيح تجاوز فيه عبد الله بن مسعود - وهو من فقهاء الصحابة وكبارهم - العشرة أسواط في التعزير، وأقره عمر على ذلك، ومدح فعله، وصوب اجتهاده.

الخامس: ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي وائل: [أن رجلًا كتب إلى أم سلمة في دين له قبلها، يحرج عليها فيه، فأمر عمر بن الخطاب أن يضرب ثلاثين جلدة] (3) .

فهذا أثر ثابت عن عمر رضي الله عنه أمر فيه بضرب من أحرج أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ضربًا مبرحًا ثلاثين جلدة، وهي زيادة على العشرة أسواط.

السادس: ما اشتهر في كتب الفقهاء من أن عمر رضي الله عنه ضرب (معن بن زائدة) لما زوّر عليه كتابًا نقش عليه خاتم عمر ليأخذ بذلك مالًا من بيت المال، فضربه عمر في اليوم الأول مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في الثالث كذلك، قال الحافظ بن حجر -رحمه الله-: [ذكر أبو الحسن بن القصار المالكي أن عمر رفع إليه كتاب زوره عليه معن بن زائدة، ونقش مثل خاتمه، فجلده مائة، ثم سجنه، فشفع له قوم فقال: ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، ثم جلده مائة أخرى، ثم جلده مائة ثالثة، وذلك بمحضر من العلماء، ولم ينكر عليه أحد فكان ذلك إجماعًا] (1) ، وقال ابن فرحون -رحمه الله-: [وقال المازري في المعلم: ومذهب مالك -رحمه الله- أنه يجيز في العقوبات فوق الحد، لما تقدم من فعل عمر رضي الله عنه في ضرب الذي نقش خاتمه مائة، ونقل ابن القيم الجوزية ما تقدم أنها ثلثمائة في ثلاثة أيام، وذكرها القرافي، وأن صاحب القضية معن بن زائدة زور كتابًا على عمر، ونقش خاتمه فجلده مائة، فشفع فيه قوم فقال: ذكرتموني الطعن وكنت ناسيًا؟ فجلده مائة أخرى، ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى، ولم يخالفه أحد فكان إجماعًا] (2) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: [وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الذي زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة] (3) . والقصة وإن كانت تحتاج إلى إثبات صحتها إلا أن تناقل هؤلاء الأئمة لها يدل على أن لها أصلًا، مع أنها ليست هي المعتمد في الباب مع كل ما سبق ذكره، قال الحافظ ردًا على ابن القصار دعواه الإجماع بهذه القصة: [قلت: الشأن في ثبوت ذلك، فإن ثبت فيحتمل أن يكون فعل ذلك بطريق الاجتهاد، فلم ينكره لأن مجتهدًا لا يكون حجة على مجتهد، فلا يلزم أن يكونوا قائلين بجواز ذلك فأين الإجماع؟!] (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت