الصفحة 34 من 40

قد اتضح لنا من قبل أن أمر اختيار العقوبات التعزيرية يوكل إلى اجتهاد الإمام وما يراه مناسبًا وملائمًا للجناية التي سيعاقب عليها، وهذا يقتضي النظر في حال الجناية، وحال الجاني، وحال المجني عليه، ثم ينظر إلى العقوبة التي سيوقعها، فهذه أربعة أمور يجب مراعاتها والنظر إليها عند اختيار العقوبة، فإن التقصير في معرفة أي جزئية من هذه الجزيئات الأربع قد يقود إما إلى الزيادة في العقوبة على القدر المطلوب والمناسب للجناية، أو التقصير في إيقاع الزاجر الملائم، فتكون العقوبة أقل مما يحتاج إليه الجاني ليردعه، فالنظر في حال الجناية يكون من جهة كونها كبيرة أو صغيرة، وهل هي متكررة ممن ارتكبها أم كانت فلتة وهفوة، وما مدى انتشارها بين الناس وانكبابهم وتهافتهم عليها وتساهلهم في اقترافها، فإن تغليظ العقوبة واختيار الطريقة الأنسب لإيقاعها قد لا يكون من أجل زجر الجاني فقط، بل قد ينضاف إلى ذلك إرادة تخويف الناس، وترهيبهم من مقارفة ذلك النوع من الجنايات، ولهذا فقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- فائدة في هذا السياق، وهو أنه إن وجد من يستحق القتل بموجب حكم شرعي، وكان بين الناس معصية عظيمة متفشية لا تكفي عقوبات الضرب والسجن ونحوها في كفهم عنها، فإن للإمام في مثل هذه الحال أن يقتل ذلك الشخص الذي استحق القتل شرعًا، ثم يشيع بين الناس أن سبب القتل هو اقترافه لذلك الذنب الذي فشى بينهم، وذلك من أجل ردعهم وترهيبهم، واستأنس لقوله هذا بأن النبي r كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها فقد جاء في الاختيارات العلمية: [فأما حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل ويقوى ذلك أن يعاقب الإمام من استحق العقوبة بالقتل وتوهم العامة أنه عاقبه على بعض الذنوب التي يريد الحذر عنها وهذا يشبه أنه r إذا أراد غزوة ورّى بغيرها] (1) .

وأما جهة النظر إلى الجاني فإن التعازير وإن اتحدت فيها موجباتها أحيانًا فلا يلزم منها اتحاد العقوبة، بل قد تتفاوت باعتبار حال مرتكبها، وهذا المعنى قد أشار إليه قول النبي r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، فالحديث فرق في الإقالة عن العثرة والتجاوز عن الزلة والهفوة بين ذوي الهيئات وغيرهم، ثم إن كان هذا في أصل الإقالة والعفو، فإن فيه إشارة إلى أن العقوبة ليست متساوية ومتفقة في حق المجرمين، لأنهم ليسوا على مرتبة واحدة في إجرامهم، فكما أن هيئة ذوي الهيئات شفعت لهم فأسقط عنهم الزاجر رأسًا، فاعتبار مراتب الجناة والتنزل مع أحوالهم شيئًا فشيئًا يوجب تغير العقوبة بحسب حال كل واحد منهم، ثم إن العلماء اختلفوا في ذوي الهيئات من هم؟ وما هي العثرات التي يقالونها؟، فذهب الإمام الشافعي إلى أنهم: [الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة] .وحكى الماوردي وجهين في معنى ذوي الهيئات:

[أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر.

والثاني: أنهم الذين إذا أتوا الذنب ندموا عليه وتابوا منه] (1) ، وقال أبو المحاسن الحنفي: [والمراد بذوي الهيئات أهل المروءة والصلاح، يبينه ما روي أن رسول الله r قال:"تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة والصلاح"] (2) .

وقد أسهب الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بيان معنى ذوي الهيئات فقال: [فائدة: إقالة العثرات: قوله:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"حسن، قال ابن عقيل: المراد بهم الذين دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطة، قلت: ليس ما ذكره بالبين، فإن النبي r لم يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه، والشرف، والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع التكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عصب صبره، وأديل عليه شيطانه، فلا يسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حدًا من حدود الله، فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف، كما يتعين أخذه من الوضيع، فإن النبي r قال:"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وقال:"إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد] (3) ، وقد سئل العلامة ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:[هل ورد أن ذوي الهيئات لا يعزرون وما المراد بهم؟ فأجاب نفع الله بعلومه المسلمين بقوله: قال العز بن عبد السلام في قواعده: من ظن أن الصغيرة تنقص الولاية فقد جهل، وقال: إن الولي إذا وقعت منه الصغيرة فإنه لا يجوز للأئمة والحكام تعزيره عليها، وقد نص الشافعي على أن ذوي الهيئات لا يعزرون للحديث، وفسرهم: بأنهم الذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة فيترك، وفسرهم بعض الأصحاب: بأنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر، وبعضهم: بأنهم الذين إذا وقع منهم الذنب تابوا وندموا أهـ.

وتفسير الشافعي رضي الله تبارك وتعالى عنه أظهر وأمتن، والحديث المشار إليه جاء من طرق كثيرة، من رواية جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة منها:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب، وأبو داود، والنسائي، والطبراني في الكبير، ومنها:"تجاوزوا عن زلة ذوي الهيئة"أخرجه النسائي، ومنها:"تجافوا عن ذنب السخي فإن الله تبارك وتعالى آخذ بيده كلما عثر"رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأبو نعيم في الحلية] (1) ، وقال العلامة شاه ولي الله الدهلوي: [قال r:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"أقول: المراد بذوي الهيئات أهل المروءات، أما أن يعلم من رجل صلاح في الدين، وكانت العثرة أمرًا فرط منه على خلاف عادته، ثم ندم، فمثل هذا ينبغي أن يتجاوز عنه، أو يكونوا أهل نجدة وسياسة وكبر في الناس، فلو أقيمت العقوبة عليهم في كل ذنب قليل أو كثير لكان في ذلك فتح باب التشاحن، واختلاف على الإمام وبغي عليه فإن النفوس كثيرًا ما لا تحتمل ذلك] (2) ، وما قاله في حق أهل النجدة ومن بعدهم لا يظهر دخولهم في معنى ذوي الهيئات الذين قصدهم الحديث، إذ التعليل الذي ذكره من أن معاقبتهم على الصغير والكبير يهيج نفوسهم ويبعث فيها التمرد يمكن أن يقع من كل صاحب شوكة ومنعة وكبر، وهذا الأمر تجتمع فيه الحدود والتعازير، ثم مبنى الأمر في مثل هذه الحال ليس راجعًا إلى اعتبار أنهم من ذوي الهيئات ولكن - إن صح واستقام - فهو مبني على درء مفسدة متوقعة تنجر بسبب مؤاخذتهم بالعقوبة، واعتبار المصالح والمفاسد في التعازير أمر مطرد ومنسحب في كل جزئية من جزئيات العقوبات التعزيرية ولو لم يكن مرتكبها من ذوي الهيئات وأصحاب المروءات، وعلى كل فإن الأقوال في تفسير ذوي الهيئات تكاد تكون متقاربة المعنى والله أعلم.

ولكن ما ينبغي التنبيه عليه هو أن لا يجعل هذا الحديث وتفسيراته متكئًا لضرب حصانة واقية من معاقبة من تكرر فساده، وتمادى في تعدي حدود الله، واستشرى تجاوزه لها، وتطاول على الضعفاء وازداء الخلق بحجة أنه من أهل المروءات الذين تقال عثراتهم، فالشرع ما جعل الإقالة محضنًا لتنامي الشرور وتوالي العبث، وإنما هي العفو عند الهفوة والتجاوز لدى الغفلة والصفح وقت الزلة.

أما من حيث النظر إلى حال المجني عليه، فإن من سب أو شتم رجلًا معروفًا بالصلاح والتقوى والاستقامة ليس كمن سب أو لعن فاسقًا أو مجرمًا مرد على الإجرام، ومن تعرض لامرأة ذات مكانة وشرف وتستر وحياء وصيانة، ليس كمن تعرض لامرأة متهتكة متبرجة مبتذلة لنفسها، فاعتبار حال ومكانة الشخص الذي وقعت عليه الجناية أمر له تأثيره المباشر في اختيار قدر ونوعية العقوبة التي ستوقع على الجاني، فلا بد من ملاحظتها عند اختيار العقوبات التعزيرية.

أما عن العقوبة التعزيرية نفسها فينبغي أن لا يعزر بما هو معصية في نفسها كحلق اللحى وقطع الأطراف ونحو ذلك، مع الاجتهاد في اختيار أنسب العقوبات وأجداها قدرًا ونوعًا ووصفًا والاقتصار على ما يؤدي الغرض منها من غير تجاوز، وهذا هو من مهمات القواعد في اختيار العقوبة التعزيرية، فيلزم الإمام أو الحاكم أن لا ينتقل إلى عقوبة وهو يعلم أن ما دونها يؤدي الغرض ويفي بالمقصود، لأن الغاية من التعزير هو التأديب وليس التعذيب، والزجر وليس القهر، فمتى كانت أدنى العقوبات كافية وجب الاقتصار عليها وصارت الزيادة على ذلك ظلمًا للجاني، وهذا مما يبين أن الاختيار في العقوبات التعزيرية نوعًا وكمًا بعيد كل البعد عن التشهي والانتقاء الذي لا يبنى على المصلحة المنضبطة كما جاء في نهاية المحتاج: [ويتعين على الإمام أن يفعل بكل معزر ما يليق به من هذه الأنواع وبجنايته، وأن يراعي في الترتيب والتدريج ما مر في دفع الصائل فلا يرتقي لمرتبة وهو يرى ما دونها كافيًا] (1) ، وقال الخطيب الشربيني: [وعلى الإمام مراعاة الترتيب والتدريج اللائق بالحال في القدر والنوع، كما يراعيه في دفع الصائل، فلا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافيًا مؤثرًا] (2) .

وقال العلامة ابن دقيق العيد: [وليس التخيير فيه - أي التعزير- ولا في شيء مما يفوض إلى الولاة تخيير تشه بل لا بد عليهم من الاجتهاد] (1) ، ومما يشهد لهذا الأصل، وهو لزوم التدرج في اختيار العقوبة، وأهمية الوقوف عند الحد الزاجر منها، قوله تعالى في معاقبة الزوجة الناشز:] وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [ (النساء: 34) ، فهذه الآية أمرت الزوج بالتدرج فيما يرد به زوجته عن نشوزها، وظاهر من الآية الأمر بالارتقاء من الأدنى إلى الأعلى، فلا يجوز الهجر مع جدوى الوعظ والتذكير، ولا يرتقي للضرب مع حصول الغرض بالهجران، ثم إن الضرب يجب أن يكون غير مبرح، ويلزم أن يتوقف بمجرد حصول المقصود منه مباشرة من غير تعد] فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [، وهكذا تكون عقوبة التعزير سواء في اختيار نوع العقوبات أو قدرها، والله تعالى أعلم.

(1) - (الفتاوى الكبرى: 1/ 232) .

(1) - (الأشباه والنظائر للسيوطي: 1/ 489) .

(2) - (معتصر المختصر: 2/ 135) .

(3) - (بدائع الفوائد: 3/ 658) .

(1) - (الفتاوى الفقهية الكبرى: 4/ 239) .

(2) - (حجة الله البالغة: 2/ 429) .

(1) - (نهاية المحتاج: 8/ 21) .

(2) - (مغني المحتاج: 4/ 192) .

(1) - (إحكام الأحكام: 4/ 384) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت