وبعد هذه الجولة الممتعة في رياض الكتاب، والسنة، وآثار السلف الصالحين، وأقوال علماء الأمة الراسخين، أرى أن أكتب تلخيصًا مختصرًا لأهم المسائل التي ذكرت في البحث، مع الإشارة إلى المختار والمرجح - حسب ما يظهر - من بين اختلافات العلماء وأقوالهم حتى نكفي من يطول عليه البحث مؤنة الاستقصاء، ونختصر عليه في ذلك ما أمكن وبالله تعالى التوفيق والسداد:
أولًا: أن الشريعة سلكت مسلكين في ردع الناس عن المعاصي، وزجرهم عن اقتراف الموبقات.
المسلك الأول: مسلك الوعظ، والتذكير، والترغيب، والترهيب، وهو الغالب في نصوص الكتاب والسنة.
المسلك الثاني: هو مسلك العقوبات الدنيوية الرادعة، سواء منها ما كان مقدرًا محددًا؛ كحد الزنا، وحد القذف، وحد الخمر، وقطع الطريق، أو ما كان مفوضًا إلى اجتهاد الأئمة وهو العقوبات التعزيرية.
ثانيًا: أن مقتضى العداوة والبغضاء الناشئة من ذاتية الإيمان والكفر تقتضي عدم تعايش أهل الإيمان مع أهل الكفر إلا أن يغلب بعضهم على بعض، أو أن ينفرد كل منهم بدار وأرض، وهو أصل انقسام العالم إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر.
ثالثًا: أن الراجح من أقوال العلماء في اعتبار حقيقة الدار هو بما يعلوها ويجري عليها من الأحكام، مع النظر للغلبة والقهر والسلطان، فإن كان القهر والغلبة والسلطان للمسلمين فإن الدار تعتبر دار إسلام، وإن كان القهر والغلبة والسلطان للكفار فإن الدار تعتبر دار كفر، وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول صاحبي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد رحمهم الله جميعًا.
رابعًا: فعلى هذا الاعتبار، فإنه ليس ثمة ما يمنع من انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر إذا تغلب عليها الكفار وأجروا فيها أحكامهم، وتمكن سلطانهم، خلافًا لما ذهب إليه بعض علماء الشافعية من أن دار الإسلام لا تنقلب دار كفر مطلقًا.
خامسًا: وبناءً على ما ذُكِر وبالنظر إلى معظم بلدان المسلمين اليوم، فإنها تعتبر دار كفر وردة، حيث غلب عليها الكفرة المرتدون، وأجروا على أهلها أحكامهم، وقهروهم بسلطانهم، وألزموهم بقوانينهم، وأشبه الحالات التاريخية التي مرت بها الأمة بحالتها اليوم هو غلبة العبيديين على مصر، حيث نقل الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- اتفاق العلماء على اعتبارها دار ردة رغم وجود الكثير من العلماء والعباد والزهاد فيها، ورغم إقامة العبيدين للصلوات والجمع والأعياد وغير ذلك من الشعائر.
سادسًا: أنه لا تلازم لا شرعًا، ولا عقلًا، ولا عرفًا، ولا عادةً بين اعتبار الدار دار كفر وبين الحكم على أهليها، فالكافر كافر في أي بلد هو، والمسلم مسلم أينما وُجِد، وحيثما كان فهو معصوم الدم، والمال، والعرض، والدار لا تحل شيئًا حرمه الشرع، ولا تحرم شيئًا أحله الشرع، وعليه فإن الشعوب المحكومة اليوم بالقوانين الوضعية، والقاطنة في الديار التي هي ديار كفر وردة تعتبر شعوبًا مسلمة، لها حرمة الإسلام كاملة في دمائها، وأنفسها، وأموالها، وأعراضها، لم تغير الدار في حقها شيئًا، ومن أتى من أفرادها ناقضًا من نواقض الإيمان مع تبين الشروط وانتفاء الموانع في حقه فحكمه في هذه الديار تمامًا كحكمه فيما لو كان في دار الإسلام وهو الكفر.
سابعًا: أن للحد معاني شرعيةً متعددة، منها العقوبات المقدرة، وحيث ذكر الفقهاء الحدود في كتبهم، فالمقصود بها العقوبات التي جعل الشارع لها صفة معينة وقدرًا محدودًا كحد الزنى، وحد القذف، وحد الخمر، وحد الحرابة، إلا أن اصطلاح الشارع في معنى الحد أوسع منه في اصطلاح الفقهاء، والمقصود بإقامة الحدود في هذا البحث هو العقوبات المقدرة المعروفة.
ثامنًا: أن المقصود بهذا البحث أصالة في مسألة إقامة الحدود إنما هم المجاهدون، وإن كان ذكر إقامة الحدود على العموم لا يخلو من إشارة، وذلك لأن الجماعات الجهادية القائمة على ثغر الجهاد في شتى بقاع العالم هم أقرب الصور وأشبه الحالات بالجيوش الإسلامية التي تكلم الفقهاء على حكم إقامة الحدود بين أفرادها.
تاسعًا: اختلف العلماء في حكم إقامة الحدود في دار الحرب على ثلاثة أقوال أساسية، أرجحها أن الحدود لا تقام في دار الحرب، وإنما تؤخر إلى أن يرجع الجيش إلى دار الإسلام، وهو الذي دلت عليه السنة وبينته آثار الصحابة وتعليلاتهم.
عاشرًا: أن المختار في حكم إقامة الحدود بين المجاهدين في هذا الزمان، هو الجواز وذلك بالنظر إلى كل حالة بعينها، والاجتهاد في معرفة المصالح والمفاسد المترتبة عليها، لأن القول بتأخير الحدود إلى أن تقام دولة الإسلام العامة يفضي إلى إسقاطها كلية، وهذا لا ينافي أو يناقض ما ترجح من قبل، لأن الأول لا يطول تأخير الحد على مرتكب موجبه، بل قد يجوز حيث أمِنَت المفاسد كما في أثر شرحبيل بن السمط الذي ذكرناه.
الحادي العشر: التعزير- وهو العقوبة المشروعة في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة - دل على مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع، والاعتبار، وهو واجب حيث ظهرت المصلحة في إقامته كما على ذلك جمهور الفقهاء.
الثاني عشر: هناك فروق كثيرة بين الحدود والتعازير أشهرها وأبرزها أن الحدود عقوبات معلومة الصفة والقدر، لا يجوز تجاوزها ولا إنقاصها ولا تغييرها، أما التعازير فهي عقوبات تفويضية، يرجع في اختيار جنسها وصفتها وقدرها إلى اختيار الأئمة، وأن التعازير تجوز فيها الشفاعة وتقبل حيث ظهرت المصلحة في ذلك، أما الحدود فتحرم الشفاعة فيها حيث وصلت إلى الإمام، ويجب إقامتها على من أتى موجبها.
الثالث عشر: وعليه فلا يجوز تقنين العقوبات التعزيرية؛ بمعنى أن يجعل مقابل كل معصية عقوبة محددة ثابتة تنفذ على كل من ارتكب تلك المعصية، لأن اختيار العقوبة التعزيرية ينظر فيه إلى الجناية والجاني والمجني عليه حيث كان حقًا لآدمي، والتقنين يناقض التفويض، ويلحق العقوبات التعزيرية التفويضية بالحدود المقدرة.
الرابع عشر: يشرع التعزير بأي عقوبة يرى الإمام أنها رادعة وزاجرة سواء كانت توبيخًا، أو ضربًا، أو سجنًا، أو نفيًا، أو هجرًا، أو عزلًا من ولاية، أو إقامة من مجلس، أو تشهيرًا بمعصيته في الأسواق، وما شابه ذلك، بشرط أن لا تكون شيئًا وقع النهي عنه، وعلى الإمام أن يجتهد ويستفرغ الوسع ويبذل الطاقة في اختيار جنس وصفة وقدر العقوبة.
الخامس عشر: أن اختيار الإمام أو نائبه للعقوبات التعزيرية ليس اختيار تشهٍ، وإنما عليه وجوبًا توخي الأصلح، والاجتهاد في انتقاء الأجدى، سواء في نوع العقوبة، أو في صفتها، أو في قدرها.
السادس عشر: الراجح من الأقوال في العقوبات المالية - والله أعلم - هو جوازها أخذًا، وإتلافًا، وتغييرًا، وحجزًا، إلا أن ذلك مقيد بما إذا كانت المعصية التي يقع عليها التعزير متعلقة بشكل أو بآخر بالمال، وذلك لانحصار الأدلة والآثار التي وردت فيها العقوبات المالية - حسب ما يظهر - في هذا الضرب.
السابع عشر: يجوز التعزير بالقتل، ولكن بشرطين مهمين، الأول: أن تكون المعصية التي ارتكبها من استحق عقوبة القتل أمرًا ظاهرًا بينًا معلومًا، وضرره عامًا، ومفسدته شاملة، سواء تعلقت بإفساد دين الناس كالمبتدع الداعي إلى بدعته والذي يفسد على الناس دينهم وعقائدهم، أو كانت متعلقة بحياتهم ودنياهم، كمن يصول على أنفس الناس وأعراضهم وأموالهم، والشرط الثاني: أن لا ينزجر من سيعاقب بالقتل بما دونه من الزواجر، ولا ينكف بغيره من العقوبات، كالهجر، والضرب، والحبس، والنفي ونحو ذلك، إما لعدم القدرة على معاقبته بها أصلًا مع استمرار فساده، وانتشار مضرته، وبقاء تعديه، فيكون كالممتنع، أو لعدم جدوى ونفع هذه العقوبات معه، فإذا وجد هذان الشرطان كان الجاني بمنزلة الصائل الذي لم يمكن دفعه إلا بالقتل، هذا مع الاحتياط التام، والتأني الكامل، واستشارة أهل العلم والخبرة، ومجانبة الهوى، فإن الأمر جد خطير، والفتق فيه فتق لا يرتق، والخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة.
الثامن عشر: اختلف العلماء في الحد الأقصى للتعزير بالضرب اختلافًا كبيرًا، والذي يظهر رجحانه منها - والله أعلم - أنه يجوز الزيادة على عشرة أسواط، ولكن إن كانت المعصية التي يعزّر عليها قد شرع في جنسها حد من الحدود المقدرة، فلا يبلغ بالضرب عليها ذلك الحد، فمثلًا من مضمض بالخمر لا يصل بضربه إلى حد الخمر، ومن قذف بغير الزنا أو غير المحصن لا يبلغ بالجلد حد القذف، ومن سرق من غير حرز أو ما دون النصاب تكون عقوبته بما دون حد السرقة، ومن أتى بمقدمات الزنا ولم يزن فلا يصل جلده إلى حد الزنا، ولكن من أتى معاصي متعددة شرع في جنسها حد مقدر، فيجوز أن يبلغ بمجموع المعاقبة عليها ذلك الحد بل ولو تجاوزه وزاد عليه.
التاسع عشر: عند اختيار العقوبات التعزيرية، يلزم الإمام الاجتهاد في اختيار جنس وصفة وقدر العقوبة، فلا ينتقل إلى عقوبة وهو يعلم أن ما دونها يكفي ويفي، لأن ذلك يعد تعديًا وظلمًا للجاني، واختيار العقوبة يتوقف على معرفة حال الجاني، ونوع الجناية، وصفة المجني عليه، فلكل واحد من هذه الثلاثة تأثير مباشر في اختيار جنس ونوع وقدر العقوبة.
العشرون: الأصل أن الأمة هي المخاطبة بإقامة الحدود والتعازير، إلا أنه لما كان توكيل مجموع الأمة القيام بذلك قد يجر إلى مفاسد كبيرة، ويقود إلى هرج وعدم انضباط، ناب الإمام عنها في ذلك، فما دام هناك إمام قائم ممكن فهو المعني بإقامة الحدود والتعازير، وذلك بما لديه من سلطان يستطيع به إلزام الناس، وإجبارهم على الانقياد لأحكام الشرع، فلا يجوز الافتيات عليه في ذلك، إلا حيث فرط أو عجز أو عُدم، فإن الخطاب حينها يرجع إلى من يستطيع إقامة تلك الأحكام من الأمة، فيجب عليهم تنفيذها ما لم يجر إلى مفسدة هي أعظم من تركها، وعليه ففي هذا الزمان حيث عطلت أحكام الشريعة جملة، وأجبر الناس فيه على التحاكم للقوانين الوضعية، وانعدم الإمام العام الذي له السلطان والقوة، فيجب على الأمة أن تتعاون وتتعاضد فيما بينها وبقدر استطاعتها لإحياء ما درس من تلك الأحكام، وإقامة ما عطل منها، كل ذلك مع المراعاة التامة والاعتبار الكامل للأضرار والمفاسد التي قد تترتب عليها، والجماعات الإسلامية العاملة في الساحة الإسلامية أول معني بهذا الأمر وإحيائه بين أفرادها علمًا، ودعوة، وعملًا وما عجزت عنه أو كان في تنفيذه ضرر يفوق ويربو على تعطيله فهم معذورون فيه ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
الواحد والعشرون: إذا عزر الإمام أو القاضي أو أحد الولاة شخصًا فتلف بذلك التعزير، فلا ضمان عليه، إلا حيث أسرف وتعدى، لأن الشرع قد فتح له باب الاجتهاد وأمره ببذل الوسع في اختيار العقوبة بما يناسب ويلائم ذلك، فما دام في هذا المجال فمن تلف به فالحقُّ قَتَلَه، وأما عند التعدي والظلم فإن الشرع نهى عن المعصية، فما وقع من التلف يعد خارجًا عن المجال الشرعي فالظلم والتعدي والإسراف هو الذي قَتَله فعلى المتلِف الضمان والله تعالى أعلم.