الصفحة 36 من 40

أن الآيات والأحاديث التي جاءت آمرة بإقامة الحدود تدل صيغها على الوجوب، كما أن صورة الخطاب فيها لمجموع المسلمين فمن ذلك قوله سبحانه:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ (المائدة: 38) ، وكقوله:] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [ (النور: 2) ، وكقوله:] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ (النور: 4 - 5) ، وكقوله r: [ من بدل دينه فاقتلوه] (1) ، ومثل ذلك كثير، ونظيره ما جاء في شأن التعزير كقوله r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، وكقوله r: [ لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله] ، ومن المعلوم أن إقامة الحدود بين الناس تعد من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد امتدح الله سبحانه هذه الأمة لقيامها بهذه الفريضة العظيمة فقال:] كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [ (آل عمران: 110) ، وأمر هذه الأمة أن ينتدب منها طائفة تقوم بهذا الواجب الذي تحفظ به نفسها من الانحراف والتفكك وشيوع الفساد والظلم والبغي واستفحال أمر الإحداث في الدين وانتشار البدع بين أهله فقال سبحانه] وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ (آل عمران: 104) .

إذا علم أن إقامة الحدود يعد أمرًا واجبًا، وأن الأمة بمجموعها هي المعنية في أصل الخطاب بإقامة هذا الواجب، فعليه أن الواجب تنفيذ هذا الأمر الإلهي بقدر الإمكان وبما في الوسع وأن تبذل كافة الوسائل التي تؤدي إلى إقامته، ولا يسقط المطالبة بإقامة هذا الواجب إلا العجز وعدم الاستطاعة، أو كون الصورة التي يمكن بها تنفيذه تؤدي إلى مفسدة أعظم من مفسدة ترك إقامة ذلك الواجب، وهذا أمر مطرد في كل الأوامر الشرعية، وليس خاصًا بإقامة الحدود والتعازير فحسب قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: ["قاعدة": وهي أن من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه لقوله - سبحانه وتعالى:] لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [وقوله عليه السلام:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"] (1) ، وهي نظير القاعدة الفقهية المعروفة بأن الميسور لا يسقط بالمعسور والله تعالى أعلم.

إذًا فالإمام يعتبر نائبًا عن الأمة في إقامة الحدود، وذلك بما لديه من سلطان يستطيع به إلزام الناس بالأحكام، ويجري عليهم الشرائع طوعًا أو كرهًا، فما دام الحاكم أو الإمام صاحب السلطان موجودًا وقادرًا على تنفيذ الأحكام والقيام بما أوكل إليه من مهام ناب فيها عن الأمة فإن الخطاب بإقامة الحدود والتعازير متوجه إليه، وهو مسؤول عنه، وعلى الأمة مراقبته ومتابعته وإعانته في ذلك، فإن عجز الإمام عن القيام ببعض الواجبات أو قصر في بعضها وفرط وثمة من يستطيع إقامة ما عجز أو فرط فيه الإمام تعين عليه إقامته، وتوجه الخطاب إليه ما لم يجر إلى مفسدة هي أعظم من ترك ذلك الواجب، قال الإمام الشوكاني -رحمه الله- تعالى: [وأما كونه يجب إقامة الحدود على الإمام وواليه، فوجهه واضح ظاهر، لأن الله سبحانه قد أمر عباده بإقامة الحدود وقال:] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ [، وقال:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[،

وقال:]إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ [الآية، والتكليف في هذا وإن كان متوجهًا إلى جميع المسلمين ولكن الأئمة ومن يلي من جهتهم ومن له قدرة على تنفيذ حدود الله مع عدم وجود الإمام يدخلون في هذا التكليف دخولًا أوليًا، ويتوجه إليهم الخطاب توجهًا كاملًا] (2) .

ومن المعلوم المشاهد أن كثيرًا من المسلمين بل أكثرهم يعيشون تحت سلطان الكفرة وقهرهم فتجري عليهم أحكام الكافرين، ويلزمون بالحكم والتحاكم إلى قوانينهم الجاهلية وأحكامهم الوضعية، وهذا من أعظم المنكر والفساد الذي يجب على الأمة أن تزيله قدر استطاعتها، وهو أشد ما ابتليت به الأمة في هذا العصر، وتحكيم القوانين الوضعية والنظم الكفرية فوق أنه أمر كفري عظيم ومنازعة لله رب العالمين، فإن المفاسد التي يجرها على الناس في دينهم ودنياهم وأخلاقهم وآدابهم لا تكاد تحصى ويشمل ذلك كله صفة الضنك التي ذكرها الله بقوله:] وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [ (طه: 124) ، فمهما قيل من المفاسد التي قد تنجم عن تحاكم الناس فيما بينهم لشرع الله بحسب ما يستطيعون - عند فقدهم للإمام - فإنها تعد دون المفسدة الكبرى المتمثلة في ترك شريعة الرحمن، وإقامة وتحكيم شريعة الشيطان كما قال سبحانه:] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ (النساء: 65) وكما قال سبحانه:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا[ (النساء: 59) .

ومن ذلك إقامة الحدود والتعازير، فإنها من جملة أحكام الله تعالى التي يجب إقامتها، بل هي أبرز ما يكون من تلك الأحكام، فالواجب على المسلمين عند فقدان الإمام الذي يقيمها، والذي أوكل إليه في الأصل أمر تنفيذها واستيفائها أن يتعاونوا فيما بينهم ويتضامنوا في إيجاد الكيفية التي يقيمونها بها، حتى يخرجوا من حرج الحكم والتحاكم إلى القوانين الجاهلية، ومن هنا فالذي يظهر أن المسلمين في كل مصر من الأمصار سواء منها ما كان تحت سلطان المرتدين أو الكفار الأصليين يجب عليهم أن يتواضعوا على طريقة وكيفية يستطيعون من خلالها إقامة ما يمكنهم من أحكام الله تعالى فيما بينهم، سواء منها الحدود أو التعازير أو فض المنازعات، فهم مسؤولون أمام الله تعالى في ذلك، فكما أنهم مطالبون شرعًا بالسعي الجاد لتنصيب الإمام الذي يقيم أحكام الملة فيهم، فإنهم أيضًا مخاطبون بإقامة ما في وسعهم من تلك الأحكام وهم أثناء سعيهم لتنصيب الإمام، فلا يقال إن المسلمين في حل من الالتزام والتعاون فيما بينهم على تنفيذ أحكام الله من الحدود والتعازير وغيرها بمجرد غياب الإمام، فهذا من أبعد الأقوال عن الحق، وأكثرها داعية لفشو الفساد وتمكنه، واستمراء المنكرات العظيمة واتنشارها، وعلى رأسها التحاكم إلى القوانين الوضعية كما هو مشاهد اليوم في أمصار المسلمين.

فالواقع المشاهد يقرر بوضوح أن المسلمين بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن يخنعوا لأحكام الكافرين التي علتهم، ويتحاكموا إليها في منازعاتهم، ويفضوا بها خلافاتهم، ويعتبروها قانونًا ساريًا عليهم وملزمًا لهم، وإما أن يسعوا بقدر طاقتهم وبما في وسعهم إلى إيجاد كيفية ينفكون بها عن تلك القوانين ويتنصلون من التحاكم إليها ويتجمعون لإقامة ما في الطوق من أحكام الله سواء منها الحدود والتعازير أوغيرها من الأحكام، ولا شك أن خضوعهم لنظم الكافرين، وبقاءهم تحت حكمهم، والسعي لفض المنازعات في محاكمهم - ولو كانوا لذلك كارهين - لا يجوز شرعًا مع إمكانية الخروج من هذه الحال ولو بصورة جزئية محدودة، أما عند العجز الحقيقي فالحكم آنذاك له حالته الخاصة و مجاله المحدود، فالجماعات الإسلامية العاملة في الساحة الإسلامية على اختلاف توجهاتها أول معني بهذا الأمر ونشره بين الناس وإقامته - حسب الاستطاعة ومع المراعاة التامة للمفاسد والمصالح - بين أفرادها المنضوين تحتها، كما بُيّن عند الترجيح لحكم إقامة الحدود في دار الحرب، إذ ليس ثمة تعارض بين ما يقال هنا وبين ما ترجح هناك، ولا شك أن الأنظمة والحكومات القائمة على رؤوس الناس والمتسلطة على الشعوب المسلمة تبذل جهودًا كبيرة ومتواصلة من أجل الحيلولة بين المسلمين وبين إحياء هذه الشرائع، ولهذا فهي تحارب من دعا إلى تطبيقها حربًا لا هوادة فيها سالكة في ذلك جميع الوسائل من سجن وتقتيل وتشريد وتهجير، حرصًا منها على إبقاء تلك الشعوب تحت ربقة قوانينها الجاهلية، فلهذا فإن مراعاة ما يترتب على تنفيذ الحدود وإقامتها من المفاسد وما ستجره من ذلك على منفيذيها والقائمين عليها وعلى الشعوب ككل أمر واجب ومتحتم، وهي في هذه الحالة داخلة بلا شك في مسألة المقارنة بين المصالح والمفاسد، فرب عقوبة تقام على شخص واحد أتى بموجبها تجر من المفاسد أضعاف أضعاف مفسدة ترك إقامة تلك العقوبة عليه، كما فصل ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى في النقل المذكور سابقًا، ولهذا فالمعتبر النظر في كل حالة بعينها، إذ بهذه الكيفية أو الطريقة يتم تقدير المصالح والمفاسد المتعلقة بها، وما يمكن إقامته من العقوبات مع مراعاة ما ذكر والتقيد به لا يترك لأجل العجز عن غيرها، فإن الحدود والتعازير تعد من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمرنا شرعًا أن نأتي منه ما استطعنا وأن ننكر ما نقدر على إنكاره، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وما جاءت به الشريعة من المأمورات، والعقوبات، والكفارات وغير ذلك، فإنه يفعل منه بحسب الاستطاعة، فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين فإنه يجاهد من يقدر على جهاده، وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه يعاقب من يقدر على عقوبته، فإذا لم يمكن النفي والحبس عن جميع الناس كان النفي والحبس على حسب القدرة، مثل أن يحبس بدار لا يباشر إلا أهلها، لا يخرج منها، أو أن لا يباشر إلا شخصًا أو شخصين فهذا هو الممكن، فيكون هو المأمور به، وإن أمكن أن يجعل في مكان قد قل فيه القبيح ولا يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور به، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فالقليل من الخير خير من تركه، ودفع بعض الشر خير من تركه كله] (1) والله تعالى أعلم.

(1) - رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سبق.

(1) - (قواعد الأحكام: 2/ 7) .

(2) - (السيل الجرار: 4/ 310) .

(1) - (مجموع الفتاوى: 15/ 312) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت