الصفحة 17 من 40

وما ذكرناه هو أصل مشروعية التعزير وإقراره كعقوبة زاجرة في الشريعة، أما حكم إقامة هذه العقوبة على الجاني، وهل يجب ذلك أم لا فقد اختلفت فيه مذاهب العلماء:

القول الأول: وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة أن التعزير إن كان لحق الله تعالى فإنه يجب تنفيذه وإقامته، إلا إذا رأى الإمام مصلحة في عدم إقامته، أو رأى أن الجاني يمكن أن ينزجر من غير أن يعزر، فالحكم الأصلي المستقر والمقرر عندهم هو وجوب إقامة عقوبة التعزير على مرتكب المعصية إن كانت لحق الله تعالى، ثم يستثنى من ذلك من يمكن أن ينزجر من غير عقوبة، أو كانت هناك مصلحة راجحة على مصلحة معاقبته بحسب اجتهاد الإمام وتحريه للأصلح، قال ابن قدامة -رحمه الله-: [التعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام، وبه قال مالك وأبو حنيفة] (1) ، إلا أن هناك رواية عن الإمام أحمد بالندب قال ابن مفلح-رحمه الله-: [وفي الشرح: هو واجب إذا رآه الإمام فيما شرع فيه التعزير، وعنه يعزر المكلف ندبًا نص عليه في تعزير رقيقه على معصية وشاهد زور، وفي الواضح: في وجوب التعزير روايتان، والأشهر كما ذكره المؤلف ونص عليه الإمام في سب صحابي كحد وكحق آدمي] (2) ، وقال السيواسي الحنفي: [ثم التعزير فيما شرع فيه التعزير إذا رآه الإمام واجب، وهو قول مالك وأحمد] (3) ، وقال ابن فرحون المالكي: [مسألة: قال القرافي الحدود واجبة الإقامة على الأئمة، واختلفوا في التعزير فقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: إن كان لحق الله تعالى وجب كالحدود، إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام، وقال الشافعي -رحمه الله- هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه] (4)

وننبه هنا إلى أن كثيرًا من الفقهاء يُطلقون التعزير ويريدون به عقوبة الضرب خاصة، وذلك لأنها أظهر أنواعه وأشهرها، وهذا من إطلاق البعض على الكل، وهو ما يُفهم من كلام القرافي المنقول، ولذا فإن بعض الشافعية عرف التعزير بأنه: اسم يختص بالضرب الذي يضربه الإمام أو خليفته للتأديب في غير الحدود، فهو من باب تعريف الحد ببعض أفراده، وعلى كلٍ فليس هذا المسلك هو المعروف عن الشافعية في أمهات كتبهم وإنما لزم التنبيه.

القول الثاني: أن إقامته لا تتعين، وإنما الإمام فيه بالخيار، فإن رأى إقامته على المذنب أقامه، وإن رأى العفو عفا عنه، إلا أن هذا التخيير بحسب ما يرى من المصلحة وليس مبنيًا على مجرد التشهي، وهذا فيما كان موجبه حقًا لله سبحانه، أما إن كان الموجب حقًا من حقوق العباد فإن خيار الإمام في عدم إقامة الحد ينبني على عفو صاحب الحق، فإن طالب بإقامته فليس للإمام عندها أن يعفو عن الجاني، قال الخطيب الشربيني: [للإمام ترك تعزير لحق الله تعالى لإعراضه r عن جماعة استحقوه كالغال في الغنيمة، ولاوي شدقه في حكمه للزبير، ولا يجوز تركه إن كان لآدمي عند طلبه كالقصاص] (5) ، وقال المارودي عند ذكره للفروق بين الحدود والتعازير:[فالتعزير مباح يجوز العفو عنه، والحدود واجبة لا يجوز العفو عنها، وقال أبو حنيفة: إن كان لا يرتدع بغير التعزير وجب تعزيره، ولم يجز العفو عنه، وإن كان يرتدع بغيره كان على خيار الإمام في تعزيره والعفو عنه ... فإذا صح جواز العفو عنه فهو ضربان:

أحدهما: ما تعلق بحق الله تعالى.

والثاني: ما تعلق بحقوق الآدميين.

فأما ما تعلق بحقوق الله تعالى فكالتعزير بأسباب الزنا، والسرقة، وشرب الخمر فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأى ذلك صلاحًا، وله أن يستوفيه ويكون موقوفًا على خياره في الأصلح.

وأما المتعلق بحقوق الآدميين، فكالمواثبة والمشاتمة ففيه حق المشتوم والمضروب وحق للإمام في التقويم والتهذيب، فلا يصح العفو عن التعزير فيه إلا باجتماعهما عليه .. إلخ] (1) ، ومعنى قوله إلا باجتماعهما عليه أي عفو صاحب الحق المجني عليه أولًا ثم إن رأى الإمام العفو عنه عفا وإلا فله إقامة العقوبة استيفاء لحق السلطنة تأديبًا، وقال الإمام ابن القيم حاكيًا المذهبين: [ونوع - أي من المعاصي - لا كفارة فيه ولا حد، كسرقة ما لا قطع فيه، واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة، والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبًا عند الأكثرين، وجوازًا عند الشافعي] (2) ، وقد استدل الشافعية على عدم وجوب التعزير بعدة أحاديث منها:

1 -... قول النبي r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، وقد مر ذكره مكررًا، قال الشيرازي في المهذب: [وإن رأى السلطان ترك التعزير جاز تركه إذا لم يتعلق به حق آدمي، لما روي أن النبي r قال:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود"] (3) .

وفي الاستدلال بهذا الحديث على مذهب نظر، إذ قد يُفهم منه خلاف ما ذهبوا إليه، وذلك أن النبي r قد أمر باستثناء ذوي الهيئات من وجوب تعزيرهم، ولو كان الحكم المستثنى منه هو جواز التعزير لما كانت لهم مزية على من سواهم، ولكان ذوو الهيئات وأصحاب المداومة على الموبقات متساويين في جواز الإقامة وهذا خلاف ظاهر الحديث، وعليه فالحديث يدل على أن الأصل هو وجوب إقامة عقوبة التعزير على من أتى بموجبها إلا إن كان من ذوي الهيئات - على اختلاف في تفسيرهم - فإنه حينئذ تقال عثرته ويتجاوز عن زلته، ولهذا قال المناوي: [وخرج بذوي الهيئات من عرف بالأذى والعناد بين العباد، فلا يقال له عثار بل تضرم عليه النار] (1) ، وجاء في المدونة: [قلت: أرأيت الشفاعة في التعزير أو النكال بعد بلوغ الإمام، أيصلح ذلك أم لا؟ قال: قال مالك في الذي يجب عليه التعزير أو النكال فيبلغ به الإمام، قال مالك: ينظر الإمام في ذلك، فإن كان الرجل من أهل المروءة والعفاف وإنما هي طائرة أطارها تجافى السلطان عن عقوبته، وإن كان قد عرف بذلك وبالطيش والأذى ضربه النكال] (2)

2 -... ما رواه الشيخان وغيرهما: [أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي r في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه، فاختصما عند النبي r ، فقال رسول الله r للزبير: اسق يازبير: ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله r ، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك:] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ (النساء: 65) ] فقال الشافعيون أو ما ترى أن النبي r لم يعزر هذا الأنصاري رغم اتهامه إياه بمحاباة الزبير لقرابته منه، فلو كان التعزير واجبًا لكان أولى الناس بإقامته عليه وعقوبته به هذا الأنصاري لعظم ما اقترفه في حق النبي r ، قال الشيرازي عقب ذكره لهذه القصة: [ولو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله r على ما قال] (3) ، وقال الماوردي بعد أن ذكر هذه القصة مستدلًا بها: [ولم يعزره وإن كان ما قاله يقتضيه] (4) .

وقد أجاب من يرى وجوب التعزير على هذه الحادثة بأجوبة: منها: أن منع النبي r الماء عن الأنصاري هو ضرب من ضروب التعزير، وعليه فيكون النبي r قد عزره بذلك واكتفى به لأنه يراه زاجرًا له، كما نقله شيخ الإسلام -رحمه الله- عن ابن عقيل حيث قال: [وقد عزره النبي عليه الصلاة والسلام بحبس الماء عن زرعه، وهو نوع ضرر وكسر لعرضه وتأخير لحقه، وعندنا أن العقوبات بالمال باقية غير منسوخة، وليس يختص التعزير بالضرب في حق كل أحد] (1) ، ومنها: أن التعزير في هذا الموطن قد وجب حقًا لآدمي وهو النبي صلى الله عيله وسلم، وما دام كذلك فليس هذا موطن الخلاف، إذ الكلام على ما كان حقًا لله تعالى، وأما ما سواه فلصاحبه أن يعفو عنه، قال السيواسي الحنفي: [وأما حديث الزبير فالتعزير لحق آدمي، هو النبي r ويجوز تركه] (2) ، وقد نقل شيخ الإسلام هذا عن القاضي أبي يعلى فقال: [وقطع - أي القاضي - في موضع آخر أنه كان له أن يسقط حق سبه، لأنه حق له، وذكر في قول الأنصاري للنبي r"أن كان ابن عمتك"وقد عرض للنبي عليه الصلاة والسلام بما يستحق به العقوبة ولم يعاقبه، لأنه حمل قول النبي r للزبير: اسق بأنه قضى له على الأنصاري للقرابة، وفي الرجل الذي اغلظ لأبي بكر ولم يعزره فقال القاضي: التعزير هنا وجب لحق آدمي وهو افتراؤه على النبي r وعلى أبي بكر، وله أن يعفو عنه، وكذلك ذكر ابن عقيل عنه أن الحق كان للنبي r ، وله تركه] (3) ، والحق أن ما قاله هذا الأنصاري يعد كفرًا يستحق القتل بسببه لأنه انتقاص للنبي r واتهام له بالجور وأن قرابته للزبير هي التي جعلته يدع الحُكْمَ العدل ويحكم بما حكم للزبير، ومثل هذا لو كان في حق آحاد الناس لعد منقصةً مستهجنة، فكيف بها في حق النبي r وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وفي هذا يقول الإمام النووي -رحمه الله-: [قال العلماء: ولو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الأنصاري اليوم من إنسان، من نسبته r إلى هوى كان كفرًا، وجرت على قائله أحكام المرتدين، فيجب قتله بشرطه، قالوا: وإنما تركه النبي r لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين ومن في قلبه مرض، ويقول:"يسروا ولا تعسروا ولا تنفروا"، ويقول:"لا يتحدث الناس إن محمدًا يقتل أصحابه"، وقد قال الله تعالى] وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ (المائدة: 13) ، قال القاضي: وحكى الداودي أن هذا الرجل الذي خاصم الزبير كان منافقًا، وقوله في الحديث إنه أنصاري لا يخالف هذا لأنه كان من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين] (1) ، وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- في الفوائد المستنبطة من هذه القصة: [ومنها: الصفح عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع، والاستهانة بالأحكام، فإن كان ذلك فالأدب، وهذا الذي صدر من خصم الزبير أذى للنبي r ولم يقتله النبي r لما قدمناه من عظم حلمه وصفحه، ولئلا يكون قتله منفرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام، فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حق النبي r لقتل قتلة زنديق] (2) ، والمقصود من هذا أنه قرر أن ما فعله ذلك الأنصاري كان في الأصل موجبًا لقتله وليس مجرد تعزيره وعليه لا يصلح أن يحتج بذلك ويقال إن النبي r لم يعزره ولو كان واجبًا لفعل، وإنما لم يقتله النبي r للحكم والأسباب التي ذكرها النووي والقرطبي، ومثل هذا ما قرره شيخ الإسلام وابن القيم من أن النبي r له أن يعفو عن سابّه ومؤذيه في حياته لأنه حق خالص له، ولهذا فمن سبه بعد موته r تعين قتله، لأن الحق الذي تعلق بشخصه r ليس لأحد أن يسقطه بعده، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذه القصة ومثيلاتها مما احتج به على عدم وجوب التعزير: [ومن هذا الباب قول القائل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وقول الآخر اعدل فإنك لم تعدل، وقول ذلك الأنصاري أن كان ابن عمتك، فأن هذا كفر محض، حيث زعم أن النبي r إنما حكم للزبير لأنه ابن عمته، ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية، وأقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجًا من حكمه، وإنما عفا عنه النبي r كما عفا عن الذي قال إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وعن الذي قال اعدل فإنك لم تعدل، وقد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أنه قتل رجلًا لم يرض بحكم النبي عليه الصلاة والسلام فنزل القرآن بموافقته، فكيف بمن طعن في حكمه؟ وقد ذكر طائفة من الفقهاء - منهم ابن عقيل وبعض أصحاب الشافعي - أن هذا كان عقوبته التعزير، ثم منهم من قال: لم يعزره النبي r لأن التعزير غير واجب، ومنهم من قال عفا عنه لأن الحق له، ومنهم من قال عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه كلها أقوال ردية، لا يستريب من تأمل في أن هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أن من هو بمثل حاله ليس بمؤمن] (1) والخلاصة أن هذه الحادثة وما شابهها مما استدل به الشافعية على أن التعزير ليس بواجب لا يستقيم بها الاستدلال ولا يتأتى الاحتجاج وذلك لأن هذا الأنصاري ما كان يستحقه بسبب تنقصه للنبي r ليس مجرد التعزير بل القتل.

3 -... ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: [جاء رجل إلى النبي r فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي r شيئًا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي r رجلًا دعاه، وتلا هذه الآية] وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [ (هود: 114) ، فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافةً] ، وقد نسب ابن قدامه -رحمه الله- إلى الشافعي الاستدلال بهذا الحديث، ووجه الاحتجاج به ظاهر حيث أن هذا الرجل قد ارتكب معصية وهي معالجته للمرأة - وفي بعض الروايات أنه قبلها - ومع ذلك لم يعزره النبي r ، فلو كان التعزير واجبًا لما تركه دون عقوبة، ولكن يمكن أن يقال إن النبي r قد اكتفى منه باعترافه وندمه وتوبته لأن من مقصود إقامة الحدود والتعازير الزجر عن معاودة المعصية فإذا جاء من ارتكبها تائبًا آيبًا معترفًا نادمًا فقد حصل المقصود ولهذا جوز بعض العلماء إسقاط الحد عمن جاء للإمام مقرًا ونادمًا كما قد قرر ذلك شيخ الإسلام وابن القيم وبينوا أدلته ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث: [واستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الحد في القبلة واللمس ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا] (2) ، وقال السيواسي الحنفي في جوابه عن الاستدلال بهذا الحديث: [ولنا أن ما كان منصوصًا عليه من التعزير كما في وطء جارية امرأته أو جارية مشتركة يجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام - بعد مجانبة هوى نفسه - المصلحة، أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب، لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد، وما علم أنه ينزجر بدونه لا يجب، وهو محمل حديث الذي ذكر للنبي r ما أصاب من المرأة، فإنه لم يذكره للنبي r إلا وهو نادم منزجر، لأنه ذكره له ليس إلا للاستعلام بموجبه ليفعل معه] (1) ، وبمثل هذا أجاب ابن قدامة أيضًا فقال: [ولنا إن ما كان من التعزير منصوصًا عليه كوطء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب، لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد] (2) ثم إن القائلين بوجوب التعزير لا يقولون بتعيين إقامته على كل حال و بحيث لا يسقط عن مرتكبه مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بما إذا رأى الإمام المصلحة في تنفيذه، أو يمكن أن ينزجر الجاني بغير عقوبة، بل نصوا على أنه إن ظهرت منه التوبة والندم سقط الوجوب آنذاك فقد قال ابن قدامة -رحمه الله- [ويحب التعزير في الموضعين اللذين ورد الخبر فيهما، وما عداهما يفوض إلى اجتهاد الإمام، لما روي أن رجلًا أتى النبي r فقال:"إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال أصليت معنا؟ قال نعم، فتلا عليه] إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [ (هود:114) ، فإن جاء تائبًا معترفًا يظهر منه الندم والإقلاع جاز ترك تعزيره، وإن لم يكن كذلك وجب تعزيره، لأنه أدب مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد] (3) ، وقريب منه قول الشيخ الضويان: [وهو من حقوق الله تعالى لا يحتاج في إقامته إلى مطالبة لأنه شرع للتأديب فللإمام إقامته إذا رآه وله تركه إن جاء تائبًا معترفًا يظهر منه الندم والإقلاع] (4) ، وقال الدردير المالكي: ["وعزر الإمام"أو نائبه ممن له ذلك"لمعصية الله"وهي ما ليس لأحد إسقاطه كالأكل في نهار رمضان، وتأخير الصلاة، وطرح النجاسة في طريق العامة إلا أن يجيء تائبًا، قال الدسوقي معلقًا: قوله"إلا أن يجيء تائبًا"أشار بهذا إلى أن التعزير المتمحض لحق الله يسقط عن مستحقه إذا جاء تائبًا بخلاف التعزير لحق الآدمي فإنه لا يسقط بذلك نعم يسقط لعفو صاحب الحق عنه] (5) ، بل قد ألمح القرافي وغيره إلى أن هذا شبه إجماع حيث قال عند تعداده للفروق بين الحدود والتعازير: [أن التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافًا] (6) ."

والخلاصة أن الحديث الذي استدل به الشافعية على عدم وجوب التعزير مطلقًا أخص من الدعوى، وذلك لإمكانية حمله على صورة معينة لا ينازع فيها المخالف وهي ما إذا جاء المذنب تائبًا نادمًا تظهر منه علامات الإقلاع ومن يقول بوجوب إقامة التعزير يسقطه في مثل هذه الحالة، ومما استدل به القائلون بعدم الوجوب قولهم: [إن التعزير تأديب فأشبه تأديب الأب والمعلم، ولذلك قال عثمان وعبد الرحمن لعمر رضي الله عنه في إجهاض المرأة: [لا شيء عليك إنما أنت مؤدِّب] (1) ، [ولأنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج] (2) ، ولا يخفى أن وصفه بكونه تأديبًا لا يعني أنه لا يجب إقامته مطلقًا بدليل أنهم يقولون بوجوب ذلك إذا كان حقًا لآدمي ولم يعف فقد قال المارودي نفسه: [ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم والمواثبة ففيه حق المشتوم والمضروب وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم والضارب .. إلخ] (3) ، وأجاب القرافي عن هذا بقوله: [إن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ونصيب الإنسان من بيت المال غير مقدر وهو واجب] (4)

ثم بعد التأمل وعند التدبر لا يظهر أن هناك فرقًا كبيرًا بين القائلين بالوجوب والقائلين بالجواز، بيان ذلك أن من قال بالوجوب إنما علقه بما لو رأى الإمام ذلك بناء على ما ظهر له من المصلحة أو تعينه زاجرًا، ورؤية الإمام مبناها اختيار الأنفع وتوخي الأحرى والأجدى: فقد قال ابن قدامة -رحمه الله-: [والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام] ، ثم بين أن هذا مبني على اختيار الأصلح بقوله: [وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب] ، فاجتهاد الإمام تابع للمصلحة، فحيث ظهرت له وعلمها وجب عليه إقامة عقوبة التعزير في تلك الحالة، وليس له تركه والحالة هذه، أما إذا لم تكن في العقوبة مصلحة راجحة أو أن الانزجار عن الذنب قد حصل أو يمكن أن يحصل بدونها كحال التائب النادم المقلع فعندها لا تتعين الإقامة، وكذلك أصحاب القول الثاني وهم القائلون بالجواز لم يجعلوا تخيير الإمام في العقوبة وتركها تخييرًا مطلقًا مستويًا من غير أن يرتبط بمرجحات، وإنما علقوا ذلك على ما يظهر له من المصلحة الراجحة كما قال إمام الحرمين الجويني -رحمه الله-: [والتعزيرات مفوضة إلى رأي الإمام، فإن رأى التجاوز والصفح تكرمًا فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديبًا وتهذيبًا فرأيه المتبع، وفي العفو والإقالة متسع، والذي ذكرناه ليس تخيرًا مستندًا إلى التمني، ولكن الإمام يرى ما هو الأولى والأليق والأحرى، فرب عفو هو أوزع لكريم من تعزير، وقد يرى ما صدر عنه عثرة هي بالإقالة حرية، والتجاوز عنها يستحث على استقبال الشيم المرضية، ولو يؤاخذ الإمام الناس بهفواتهم، لم يزل دائبًا في عقوباتهم] (1) ، وقال الماوردي -رحمه الله-: [فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويمًا والصفح عفوًا] (2) ، وقال أيضًا: [فأما المتعلق بحقوق الله تعالى، فكالتعزير على أسباب الزنا، والسرقة، وشرب الخمر فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأى ذلك صلاحًا، وله أن يستوفيه ويكون موقوفًا على خياره في الأصلح] (3)

والفرق بين القولين - حسب ما يظهر- أن الجمهور يلزمون الإمام بإقامة عقوبة التعزير حيثما ظهرت له المصلحة في ذلك، أما الشافعية فإنهم يجوزون له ترك العقوبة مع ظهور المصلحة فيها، فالأخذ بالأصلح عندهم هنا ليس على سبيل التحتم والإلزام، فكلا من الفريقين يلزمونه البحث عن الأصلح والأجدى من الإقامة أو الترك ثم يفترقان بأن بعضهم يوجبون عليه تنفيذ ما بانت له المصلحة فيه، والبعض الآخر يسوغون له تركه مع ظهور المصلحة فيه.

والذي يظهر ترجيحه من القولين - والله أعلم - هو قول الجمهور لأنه أضبط، وهو الجاري على القواعد، والأبعد عن فتح دواعي الهوى وموجبات المحاباةِ، وإقامة ميزان العدل، وما استدل به الشافعية لا ينهض لإسقاط الوجوب حيث كان الجاني لا يرتدع إلا بالعقوبة، وفي قول الجمهور إعمال لجميع الأدلة وحمل لها على أحوال مختلفة، فالخلاصة إذن أن الإمام أو من يقوم مقامه - وحيث كانت العقوبة لحق الله - عليه أن يجتهد ويستفرغ وسعه في معرفة الأصلح للجاني وغيره، فإن كانت عقوبته وتعزيره هي الراجحة وجب عليه أن يعزره، وسواءً كانت تلك المصلحة متعلقة بالجاني نفسه كأن لا ينزجر إلا بتعزيره، أو متعلقة بغيره ككون العفو عنه سببًا لإغراء غيره في ارتكاب مثل تلك الجريمة أو ما يشابهها، فحيث كان هذا أو ذاك فلا يجوز له أن يصفح عن الجاني، أما إن كانت المصلحة في تركه والعفو عنه ساغ له حينئذٍ التجاوز عن هفوته والغض عن زلته لأن المقصود من العقوبات هو الزجر والردع والإقلاع عن المعاصي فإن حصل ذلك بغيرها - كالتوبة والندم - اكتفى به، قال القرافي: [فمتى قلنا الإمام مخير في صرف مال بيت المال، أو في أسارى العدو أو المحاربين، أو التعزير فمعناه أن ما تعين سببه ومصلحته وجب عليه فعله، ويأثم بتركه، فهو أبدًا ينتقل من واجب إلى واجب، كما ينتقل المكفر في كفارة الحنث من واجب إلى واجب، غير أن له ذلك بهواه في التكفير، والإمام يتحتم في حقه ما أدت المصلحة إليه لا إن ههنا إباحة البتة، ولا أنه يحكم في التعازير بهواه وإرادته كيف خطر له، وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء، هذا فسوق وخلاف الإجماع] (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت