وننبه هنا إلى أن موطن الخلاف إنما هو إن كانت المعصية حقًا من حقوق الله تعالى، فأما إن كان التعزير لحق آدمي فليس للسلطان - إن طالب صاحب الحق بحقه - إسقاطه ولا العفو الجاني، بل يتعين عليه استيفاء الحق منه، وإنما الخلاف فيما إذا عفا عنه صاحب الحق، فهل الإمام أن يعاقبه بعد ذلك اعتبارًا لحق السلطنة؟ فيه خلاف بين العلماء والراجح والله أعلم أن للإمام ذلك، لأنه ما من حق لآدمي إلا ولله فيه حق، فإسقاط الآدمي حقه لا يعني بالتلازم وفي كل حال إسقاط حق الله تعالى، وعليه فإن الإمام إن عاقب في مثل هذه الحال إنما يعاقب لأجل حق الله فيجري فيه ما ذكرنا من أقوال العلماء في توخي المصلحة في إقامة التعزير أو إهداره، فمن ضرب شخصًا أو سبه ظلمًا وعدوانًا أو افترى عليه فحيث طالب صاحب الحق من الإمام أو من يقوم مقامه تعزير الجاني فلا يجوز للإمام في هذه الحال إسقاط العقوبة والعفو عن الجاني لأنها متعلقة بحق آدمي وهو المجني عليه، فإذا أسقط المجني عليه حقه وعفا عن الجاني فللإمام بعد عفوه أن يعاقب الجاني إن ظهرت له المصلحة في ذلك اعتبارًا لحق الله حيث أن الله سبحانه قد نهى عن التعدي على الآخرين وظلمهم بأي نوع من أنواع الظلم سواء بقتل أو ضرب أو سب أو لعن أو غير ذلك وهذه هي جهة ارتباط حق الله بحقوق الآدميين، قال الخرشي المالكي: [والتعازير يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام باعتبار القائل، والمقول له، والمقول، ولا يخلو عن حق الله إذ من حقه على كل مكلف ترك أذاه لغيره، لكن لما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسيما للأول، وبعبارةٍ المراد بحق الآدمي ما له إسقاطه، وبمعصية الله ما ليس لأحد إسقاطه، وإنما فسرنا حق الآدمي بما ذكر، لأنه ليس لنا معصية يتمحض فيها حق الآدمي، لأن المعصية فيها حق الله تعالى، وهو نهيه، ولذا قيل، ما من حق لآدمي إلا وفيه حق لله] (1) ، وقال ابن فرحون المالكي:[فإن تجرد عن حق آدمي وانفرد به حق السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح بالعفو أو التعزير وله التشفيع فيه، روى عن النبي r أنه قال:"اشفعوا إلي ويقضي الله على نبيه ما يشاء".
فرع: فلو تعافى الخصمان عن الذنب قبل الترافع إلى ولي الأمر سقط حق الآدمي، وفي حق السلطنة والتقويم والأدب وجهان أظهرهما عدم السقوط، فله مراعاة الأصلح من الأمرين، والأصلح أنه لا يسقط التعزير بإسقاط ما وجب بسببه ولو نص على العفو والإسقاط ... كما إذا عفا مستحق العمد عن الحد قبل بلوغ الإمام، إذ ليس للإمام التعزير والحالة هذه لاندراجه في الحد الساقط وقيل لا يسقط، إذ وجوب التعزير المقترن بالحد بمجرد حق السلطنة فلا ينبغي سقوطه بإسقاط الحد] (2) ، وقال الماوردي:[ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم والمواثبة ففيه حق للمشتوم والمضروب، وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم والضارب، فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويمًا والصفح عنه عفوًا، فإن تعافوا عن الشتم والضرب قبل الترافع إليه سقط التعزير لآدمي، واختلف في سقوط حق السلطنة عنه والتقويم على وجهين:
أحدهما: أنه يسقط، وليس لولي الأمر أن يعزر فيه، لأن حد القذف أغلظ ويسقط حكمه بالعفو فكان حكم التعزير بالسلطنة أسقط.
الوجه الثاني: وهو الأظهر أن لولي الأمر أن يعزر فيه قبل الترافع إليه، كما يجوز أن يعزر فيه مع العفو بعد الترافع إليه مخالفة للعفو عن حد القذف في الموضعين لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة] (3) ونحوه عند أبي يعلى الحنبلي في الأحكام السلطانية أيضًا.
(1) - (المغني: 9/ 149)
(2) - (المبدع: 9/ 108)
(3) - (شرح فتح القدير: 5/ 346)
(4) - (تبصرة الحكام: 2/ 298) .
(5) - (مغني الحتاج: 5/ 526)
(1) - (الحاوي: 17/ 333 - 334)
(2) - (الطرق الحكمية: 1/ 155)
(3) - (المهذب: 3/ 374)
(1) - (فيض القدير: 2/ 93)
(2) - (المدونة: 16/ 211)
(3) - (المهذب: 3/ 374)
(4) - (الحاوي: 17/ 334)
(1) - (الصارم المسلول: 447)
(2) - (شرح فتح القدير: 5/ 346)
(3) - (الصارم المسلول: 446)
(1) - (شرح صحيح مسلم: 15/ 108)
(2) - (المفهم: 6/ 156)
(1) - (الصارم المسلول: 528)
(2) - (فتح الباري: 8/ 357)
(1) - (شرح فتح القدير: 5/ 346)
(2) - (المغني: 9/ 149)
(3) - (الكافي: 4/ 243)
(4) - (منار السبيل: 2/ 338)
(5) - (حاشية الدسوقي: 6/ 370)
(6) - (الفروق: 4/ 332)
(1) - (الحاوي: 17/ 334)
(2) - (الفروق: 4/ 320)
(3) - (الأحكام السلطانية: 295)
(4) - (الفروق: 4/ 321)
(1) - (الغياثي: 219)
(2) - (الأحكام السلطانية: 295)
(3) - (الحاوي الكبير: 17/ 334)
(1) - (الفروق: 5/ 324)
(1) - (الخرشي على مختصر خليل: 8/ 111)
(2) - (تبصرة الحكام: 2/ 298)
(3) - (الأحكام السلطانية: 295)