الصفحة 3 من 40

أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، وجعلهم هداة مهتدين، وبعث في كل أمة رسولًا يدعو أمته لعبادة الله وحده، ونبذ ما سواه من الآلهة، فآمن من وفقه الله للهداية، وكفر من غرق قلبه في بحر الغواية، فكان الناس بذلك فريقين: فريقًا هدى وفريقًا حق عليه الضلالة، قال تعالى:] وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا [ (الكهف: 56) ، وقال سبحانه:] وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ (النحل: 36) ، وقال عز وجل:] وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ (الأنعام: 48 - 49) ، فلما أرسل الله نبيه وصفيه محمدًا r، جعله خاتم الرسل، ورسالته آخر الرسالات، وشريعته ناسخة الشرائع، فكانت رسالته للناس كافة كما قال سبحانه:] تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ (الفرقان: 1) ، وقال r: [ أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة] [1] ، وعموم رسالته وكونه خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة وأتم التسليم مما هو معلوم بالضرورة من دين الله، فلما قامت دعوته على أساس:] وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ (آل عمران: 85) ، وهو دين ودعوة إخوانه الرسل من قبله، وعلى أساس قوله r: [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله] [2] ، وأنه لا خيار للثقلين في اتباعه والإيمان به وبما جاء به من الحق والهدى والإذعان لشريعته والخضوع لأحكامها، ناصَبَه من لم يرض بما جاء به العداوة والبغضاء، وجاهروا بمحاربته ومحاربة أتباعه، وشمروا عن سواعدهم للصد عن سبيل دعوته، والحيلولة دون تبليغ شريعته، وكان هذا أمر لا بد منه بين دينين؛ يدعو أحدهما إلى عبادة الله وحده ونبذ ما سواه من الآلهة، وبين دين أشرك أهله بالله فاتخذوا من دونه أو معه آلهة أخرى، فألفت قلوبهم ذلك الكفر، واستمرأت تلك الضلالات، واعتادت سبيل الظُلُمات فصارت ترى الحق عجبًا عجابًا، ولذا لم يتمالكوا أن نطقوا في استغراب واندهاش قائلين:] أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ (ص: 5 - 6) ، وكما قال سبحانه وتعالى:] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [ (الأنعام: 112) ، وقال سبحانه:] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [ (الفرقان: 31) ، فاقتضت هذه العداوة العقدية بين الفريقين أن يتدافعا، وأن يسعى كل منهما لإزالة الآخر ليقيم ويبقى وينشر ما يعتقد، وهي سنة كونية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير منذ أن أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال سبحانه:] وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [ (البقرة: 251) ، وقال سبحانه:] َلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا[ (الحج: 40) .

ولهذا فإن القاعدة العامة، والأصل الثابت، والمسلك المطَّّرد الذي سار عليه الكفرة مع رسلهم وأتباعهم هو مطالبتهم إياهم بالرجوع إلى ملتهم أو الخروج من أرضهم، بل وقتل كثير من الرسل على أيدي أقوامهم لما أبوا أن ينقادوا لهم، ويدخلوا في ملتهم بعد إذ نجاهم الله منها، قال تعالى:]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [ (إبراهيم: 13 - 14) ، والتهديد بالنفي من الأرض، والإخراج من القرى هو من الأساليب الثابتة المتكررة والمشتهرة من الكفرة تجاه رسلهم، كما قال سبحانه عن قوم لوط عليه السلام:] وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [ (الأعراف: 82) ، وقال عن قوم شعيب:] قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [ (الأعراف: 88) ، وقال عز وجل لنبيه r ] : وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا [ (الإسراء: 76) وقال سبحانه:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [ (الممتحنة: 1) ، وكما قال ورقة بن نوفل للنبي r: [ يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله r أو مخرجيَّ هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي] [3]

بل مما يتهم به الرسل غالبًا من قبل أقوامهم الكافرين أن مما جاءوا لأجله هو إخراجهم من أرضهم، كما قال تعالى عن قوم موسى:] قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَامُرُونَ [ (الأعراف: 109 - 110) ، وقال سبحانه:] قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى [ (طه: 63) ، وقال سبحانه:] قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى [ (طه: 57) ، وقال الذين كفروا للنبي r:] وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا[ (القصص: 57) .

وهذه الآيات وما في معناها تدلنا دلالة واضحة على أن الحق والباطل لا يمكن أن يتعايشا في مكان، ويتآلفا ويتوادّا، ويجتمعا باستقرار في موضع، وذلك لما يحمله الحق من موانع ذاتية تحول بينه وبين الرضى بقبول شيء من الباطل، ولما يضمه الباطل أيضًا من مثل تلك الموانع التي تجعله يتدافع مع الحق تدافعًا تلقائيًا متواصلًا، فبقاء الحق والباطل في موطن دون عداوة ومدافعة وسعي للتمايز أمر لا يمكن أن يكون، فالحق يجدُّ في محو الباطل أو إبعاده عن مواطنه أو إخضاعه لحكمه وإدراجه تحت سلطانه، والباطل يسعى أيضًا لإزالة الحق أو إقصائه عن أماكن وجوده [4] ، ووفق هذه القاعدة المطردة والثابتة تتكون دار ينفرد الحق بحكمها وأخذ مقاليدها، وضبط أمورها، وبسط نفوذه عليها، وتوجد دار يتميز فيها الباطل فيقرر عليها أحكامه ويجري شرائعه ويحكم قبضته.

ولذلك لم يزل الكافرون على إيذاء النبي r ومن اتبعه من أصحابه حتى خرج مهاجرًا إلى المدينة، لتكون له ملاذًا وملجأ يبلغ منه دين الله تعالى، بعد أن بايع الأنصار على حمايته والذب عنه وتقديمه على أموالهم وأنفسهم وأبنائهم، كما قال سبحانه:] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ (الأنفال: 30) ، وقال سبحانه:] إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ (الممتحنة: 9) ، وقال سبحانه:] أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ (التوبة: 13) ، فصارت تلك البقعة التي رضيت بشريعة الله، واستسلمت لأحكامه، وأمن المسلمون فيها على أنفسهم وأهليهم وأموالهم"دارًا للإسلام"وذلك بعد تميزها عما سواها بما يعلوها من أحكام وشرائع، فوجب آنذاك على كل مسلم قادر أن يهاجر إليها، ليكون لمن فيها عونًا ونصيرًا، ولينعم بما علاها من الإيمان والأمان، وليخرج من دائرة الاضطهاد والتنكيل والإيذاء التي اصطبغت بها كثير مما عداها من الديار كما قال سبحانه ممتنًّا على المؤمنين ومذكّرًا إياهم بعظيم نعمته:] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[ (الأنفال: 26) ، وبهذا انقسم العالم إلى دارين لا ثالث لهما: دار صار الإسلام فيها هو الحَكَم، وله السلطان والقوة والغلبة، ودار بقيت تحت سطوة الكفر؛ تجري عليها أحكام أهله، ولهم فيها السلطان والقوة والغلبة.

إذًا فانقسام الديار إلى دارين"دار إسلام"و"دار كفر"هو نتيجة حتمية وقطعية لانقسام الناس إلى مؤمن وكافر تبعًا لانقسام الشرائع والأديان إلى دين حق وهدى، ودين باطل وضلال، وكما أشرنا قبل من أن الحق والباطل لا يتعايشان في محل، ولا يتصافيان في موطن، فذلك اقتضى أن يكون لكل منهما دار وملاذ يقيم فيه أحكامه ويدير شؤونه ويحفظ أهله وأنصاره وليكون قاعدة ومنطلقًا لنشر عقائده وشرائعه، ومن هذه المقدمة ندرك أن انقسام العالم إلى دارين لا مناص منه وأن التدافع بينهما سيبقى قائمًا ودائمًا إلى أن تزيل إحداهما الأخرى.

[1] - متفق عليه عن جابر رضي الله عنه.

[2] - متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] - متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها.

[4] - ومن هنا نرى هشاشة وبطلان دعوات الخضوع التي تنافح وتكافح من أجل التعايش السلمي، والابتعاد عن صدام الحضارات، وقيام الجميع (المسلمين والكفار) تحت عباءة الاحترام المتبادل، وهذه الدعوات إن كانت من الكفرة فحسب فالأمر هين، فهو لا يعدو عند العقلاء النبهاء أن يكون أسلوبًا جديدًا مبتكرًا ماكرًا للحد من قوة الإسلام المتصاعدة يومًا بعد يوم، ولوضع حدود مؤقتة يضمنون بها استمرارهم في الكيد والدس والإفساد المبطن، ولكن أن تلقى هذه الأفكار المفضوحة من أمة الإسلام بل من كبرائها دعاة وأنصارًا يقعدون لها ويدللون عليها وينكرون على مخالفها فهذا هو العجب العجاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت