الصفحة 21 من 40

لا يختص التعزير بحنس معين من العقوبات بل كل ما يكون فيه زجر للعاصي وردع له عن التجرؤ على ارتكاب المحرمات أو التهاون في فعل الواجبات فيمكن تأديبه به بحيث يكون مناسبًا لقدر المعصية وموافقًا لحال الجاني ومحصلًا للمقصود، وغني عن الذكر الإشارة إلى أن العقوبة التعزيرية يجب أن لا تكون بشيء منهي عنه شرعًا، إلا حيث جاء الدليل الشرعي باستثناء بأمر معين، فإنه يخرج حينئذ عن دائرة المنهيات في تلك الصورة كما سيتضح إن شاء الله، ومن هنا فإن أصناف العقوبات التعزيرية لا تكاد تنحصر في عددها أو تنضبط في صفاتها، فقد تكون بفعل أو ترك في حق الجاني وما سنذكره هنا هو إشارة إلى بعض تلك العقوبات تنبيهًا عليها وإشارة إلى ما وراءها:

أولًا: الهجر: يعتبر الهجر واحدًا من العقوبات التي شُرعت للكف عن فعل محرم أو عقوبة على ترك واجب، كما جاء منصوصًا عليه في القرآن في حق المرأة الناشز فقال تعالى:] وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [ (النساء: 34) ، وكما هجر النبي r ومعه أصحابُه الثلاثةَ الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وحديثهم بطوله في الصحيحين وغيرهما، وكما يُهجر المبتدع لينكف عن بدعته وليحذر الناس من ضلاله وتضليله، فمثل هذه الحالات ونحوها مثتناة من النهي عن هجران المسلم أكثر من ثلاث ليال، فعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله r قال: [لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام] (1) .

ثانيًا: النفي، ومعناه إبعاد العصاة عن مواطن سُكناهم، وتغريبهم في البلاد إيحاشًا لهم حتى يزول شرهم وتصلح نفوسهم ويستقيم حالهم، وقد جعل القرآن النفي في الأرض من العقوبات التي تُجرى على قطاع الطريق الواردة في قوله تعالى:] إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ (المائدة: 33) ، وكما جاءت به السنة الصحيحة في حد الزاني غير المحصن، وقد بوّب البخاري على نفي العصاة بقوله: باب نفي أهل المعاصي والمخنثين وساق تحته حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: [لعن النبي r المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم وأخرج فلانًا وأخرج عمر فلانًا] ، والمقصود بالمخنثين في هذا الحديث ونحوه مما جاء فيه لعنهم ونفيهم هم المتشبهون بالنساء تخلقًا لا خِلقة، قال الإمام النووي -رحمه الله-:[قال العلماء: المخنث ضربان:

أحدهما: من خُلق كذلك ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن، بل هو خلقة خلقه الله عليها فهذا لا ذمَّ عليه، ولاعتب، ولا إثم، ولاعقوبة، لأنه معذور لا صنع له في ذلك ...

الضرب الثانى: من المخنث هو من لم يكن له ذلك خلقة، بل يتكلف أخلاق النساء، وحركاتهن، وهيآتهن، وكلامهن، ويتزيا بزيهن؛ فهذا هو المذموم الذى جاء في الأحاديث الصحيحة لعنه، وهو بمعنى الحديث الآخر لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين بالنساء من الرجال] (1) ، وقد يجتمع في الشخصين الأمران معًا، فيكون في خلقته شبه بالنساء حتى يُظن أنه لا إربة له فيهن ومعرفة بأحوالهن ولا التفات لزينتهن، ثم يُضيف إلى خلقته زيادة التشبه بهن وإمعان النظر في مفاتنهن والاطلاع على خصائص أحوالهن، فيستحق العقوبة على هذا كما جاء في الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها: [أن النبي r كان عندها، وفي البيت مخنث، فقال لعبد الله أخي أم سلمة: يا عبد الله إن فتح لكم غدًا الطائف فإني أدلك على بنت غيلان؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي r: لا يدخلن هؤلاء عليكن] وقد ورد في بعض الروايات أن النبي r نفى هذا المخنث وأمثاله خارج المدينة ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:[قال العلماء: وإخراجه ونفيه كان لثلاثة معان:

أحدها: المعنى المذكور في الحديث أنه كان يظن أنه ليس من أولى الإربة وكان منهم ويتكتم بذلك.

والثانى: وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال، وقد نهى أن تصف المرأة المرأة لزوجها، فكيف إذا وصفها الرجل للرجال.

والثالث: أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثيرٌ من النساء فكيف الرجال] (2) ، وعند أبي داود عن أبي هريرة: أن النبي r أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي r: ما بال هذا فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر فنفي إلى النقيع فقالوا يا رسول الله ألا نقتله فقال إني نهيت عن قتل المصلين.

ثالثًا: السجن: وهو واحد من العقوبات التعزيرية، والذي تقدر مدته حسب جناية الجاني وظهور توبته ورجوعه عن جرمه، ويدل على أصل اعتبار هذه الطريقة في معاقبة العصاة قول الله تعالى:] وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [ (النساء: 15) ، والآية كانت في أول الإسلام ثم نُسخت كما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: [ خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم] (1) ، والشاهد من سوق هذه الآية ليس الاستدلال بها على عين الحكم الذي جاءت به فهذا قد رُفع سواء سمي نسخًا أو بيانًا للغاية، بل المقصود هو الإشارة إلى أن الشرع قد جعل الحبس في البيوت والمنع من مخالطة الناس في وقت من الأوقات عقوبة للزواني مما يُلمح إلى جدوى هذا الضرب من العقوبات لكف الشر وقطعه وطلب توبة صاحبه، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- عن هذه الآية: [قد يستدل بذلك على أن المذنب إذا لم يعرف فيه حكم الشرع فإنه يمسك فيحبس حتى يعرف فيه الحكم الشرعي فينفذ فيه] (الفتاوى الكبرى4/ 598) .

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: [أن رسول الله r حبس رجلا في تهمة ثم خلى عنه] (2) ، وما ذكرناه هنا من ضروب العقوبات التعزيرية إنما هو إشارة وتنبيه على غيرها، وإلا فلا تكاد صورها تنحصر ولا أجناسها تُحدد، وأنقل هنا بعض كلام الأئمة في ذلك ثم نتابع بذكر بعض أنواع العقوبات التعزيرية المهمة والتي وقع فيها الخلاف بصورة أو بأخرى.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي r وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا، وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي r وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فر من الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع أجره نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله من الإمارة تعزير له، وكذلك قد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه واركابه على دابة مقلوبًا، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بذلك في شاهد الزور] (1) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: [والتعزير منه ما يكون بالتوبيخ، وبالزجر عن الكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب] (2) ، وقال القرافي: [وأما جنسه فلا يختص بسوط أو حد أو حبس أو غيره .. ] (3) ، وقال ابن فرحون: [فصل: والتعزير لا يختص بفعل معين أو قول معين فقد عزر رسول الله r بالهجر وذلك في الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم، فهجروا خمسين يومًا لا يكلمهم أحد، وقصتهم مشهورة في الصحاح، وعزر رسول الله r بالنفي فأمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم، وكذلك الصحابة من بعده r وأصحابه] (4) .

ولما ذكرنا أن العقوبات التعزيرية لا تختص بجنس معين من العقوبات ربما فهم منه أن ذلك على إطلاقه، إلا أن ثمة خلافًا بين العلماء في حكم التعزير ببعض العقوبات، وهل يمكن اعتبارها رادعًا لأهل المعاصي أم لا؟ كما أنهم اختلفوا في بعضها وهل له حد معين يتوقف عنده، أم أن الأمر راجع إلى اجتهاد الإمام وما يراه زاجرًا منها وهذا ما سيكون الكلام عليه إن شاء الله، فمن أهم وأبرز ما اختلفوا في جواز التعزير به أمران.

الأمر الأول: التعزير بالعقوبات المالية.

الأمر الثاني: التعزير بالقتل.

أولًا: التعزير بالعقوبات المالية.

اختلف العلماء في حكم التعزير بالمال، فمنهم من ذهب إلى منعه مطلقًا وأن ما ورد من الأدلة التي يفهم منها جوازه قد نسخت وأدعى بعضهم الإجماع على ذلك، كما أن منهم من جوزها مطلقًا أخذًا وإتلافًا وتغييرًا، وحكى الإجماع كذلك على ما اختاره، وهذا من عجائب الفقه وغرائب الاختيارات، وبين القولين برزخ يضم أقوالًا وتفريعات تأتي تبعًا إن شاء الله، وأنا أذكر هنا الأقوال ثم أبين ما يظهر لي رجحانه منها و الله ولي التوفيق:

مذهب الأحناف:

المعتمد في مذهب الأحناف هو القول بعدم جواز التعزير بالعقوبات المالية، وهذا منسوب إلى الإمامين أبي حنيفة

ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وفي المقابل قد نقلوا عن أبي يوسف -رحمه الله- أن للسلطان التعزير بأخذ المال، قال ابن نجيم: [ولم يذكر محمد التعزير بأخذ المال، وقد قيل: روي عن أبي يوسف أن التعزير من السلطان بأخذ المال جائز، كذا في الظهيرية، وفي الخلاصة: سمعت عن ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال. أهـ] (1) ، وقال ابن عابدين -رحمه الله-: [مطلب في التعزير بأخذ المال: قوله"لا بأخذ مال في المذهب"، قال في الفتح: وعن أبي يوسف يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز. أهـ، ومثله في المعراج وظاهره أن ذلك رواية ضعيفة عن أبي يوسف] (2) ، ورغم ورود هذه الرواية عن أبي يوسف إلا أنهم لم يعولوا عليها، بل جزم بعضهم بأن المذهب هو عدم جواز التعزير بأخذ المال، فقد قال ابن عابدين: [والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال] (3) ، أما ما روي عن أبي يوسف -رحمه الله- فحمله بعضهم على معنى غير الأخذ بقصد التملك، وهو - أي المعنى- أن الإمام أو الوالي يأخذ مال الجاني ويبقيه عنده، ويحتفظ به، بقصد زجره وتهديده وإرهابه بذهاب ماله، فإذا تاب الجاني ورجع عن معاصيه رد عليه الإمام ماله، أما أن يأخذه مطلقًا فلا، قال ابن نجيم: [وأفاد في البزازية: أن معنى التعزير بأخذ المال - على القول به - إمساك شيء من ماله عنده مدة لينزجر، ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي] (4) ، كما أن بعضهم أبقى قول أبي يوسف على ظاهره، فقد قال ابن الهمام: [وما في الخلاصة: سمعت من ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال، مبني على اختيار من قال بذلك من المشايخ كقول أبي يوسف] (1) ، كما أن ظاهره وجود من يذهب إلى قول أبي يوسف من علماء الأحناف، ونظيره ما في حاشية ابن عابدين حيث قال: [وفي المجتبى لم يذكر كيفية الأخذ، ورأى أن يأخذها فيمسكها، فإن أيس من توبته يصرفها إلى ما يرى، ويفهم من عبارة بعضهم أن معنى كلام أبي يوسف على ظاهره وهو جواز التعزير بأخذ المال، إلا أن هذا القول لا يفتى به في الأزمان المتأخرة حتى لا يتسلط الظلمة على أموال الناس متعلقين بقول أبي يوسف، قال ابن عابدين:"قال في الشرنبلالية: ولا يفتى بهذا - أي بجواز الأخذ - لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه اهـ، ومثله في شرح الوهبانية عن ابن وهبان] (2) ، وقد قال الطحاوي الحنفي أن التعزير بأخذ المال كان في أول الإسلام ثم نسخ قال ابن عابدين: [وفي شرح الآثار: التعزير بالمال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ اهـ] (3) ، وعليه يمكن تلخيص الأقوال الواردة في مذهب الأحناف في مسألة التعزير بأخذ المال بما يأتي:"

الأول: وهو المعتمد في المذهب عدم جواز التعزير بأخذ المال وهو قول أبي حنيفة وأبي محمد.

الثاني: جواز التعزير بأخذ المال، وهو قول أبي يوسف وبعض من تبعه من علماء الأحناف.

الثالث: أن الأخذ تملكًا للسلطان أو لبيت المال لا يجوز، وإنما الجائز هو أخذ المال والاحتفاظ به حتى تظهر توبة الجاني، فإن تاب رد إليه ماله.

الرابع: أن يأخذها ابتدءًا لأجل زجره، فإن تاب ردت إليه، وإن أيس من توبته كان له صرفها فيما يرى من المصالح، وهو قول قريب من سابقه.

الخامس: أن القول بجواز التعزير بأخذ المال - وإن كان جائز في أصله - إلا أنه لا يفتى به سدًا للذريعة أمام الظلمة حتى لا يتسلطوا على أموال الناس ويأكلوها بالباطل.

السادس: أن العقوبات المالية كانت مشروعة في أول الإسلام ثم استقر الأمر على نسخها، هذا ما تلخص لي من مجموع الأقوال المذكورة في مذهب السادة الأحناف والله تعالى أعلم.

مذهب المالكية:

اختلفت أقوال علماء المالكية في التعزير بالعقوبات المالية، فقد حكى بعضهم أن مذهب مالك -رحمه الله- هو تجويزها على تفصيل فيه وهو التفريق بين ما إذا كانت الجناية واقعة في نفس المال أو في عوضه فتجوز وبين ما إذا كانت على شيء آخر فتمنع، في حين ادعى بعضهم الإجماع على منعها على جهة الأخذ وإن جازت إتلافًا في الشيء اليسير، كما أن القول بالنسخ مما ذكره بعض علمائهم وهذه هي أقوالهم:-

القول الأول: أن العقوبات المالية جائزة في المذهب على التفصيل المذكور، وقد حكى هذا القول العلامة ابن فرحون، والإمام الشاطبي، قال ابن فرحون بعد أن نقل كلامًا طويلًا للإمام ابن القيم في ذكره صورًا للتعازير المالية:[والتعزير بالمال قال به المالكية، ولهم فيه تفصيل .. فمن ذلك سئل مالك عن اللبن المغشوش أيهراق؟ قال: لا ولكن أرى أن يتصدق بالثمن إذا كان هو الذي غشه، وقال في الزعفران والمسك المغشوش مثل ذلك، وسواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا، وخالفه ابن القاسم في الكثير، وقال يباع المسك والزعفران على من يغش به ويتصدق بالثمن أدبًا للغاش

"مسألة"وأفتى ابن القطان الأندلسي في الملاحف الرديئة النسج بأن تحرق، وأفتى عتاب بتقطيعها والصدقة بها خرقًا] (1) ، وقال الإمام الشاطبي بعد أن أشار إلى اختلاف العلماء في المسألة ونقل كلامًا للغزالي في ذلك:[وأما مذهب مالك فإن العقوبة في المال عنده على ضربين:

أحدهما: كما صوره الغزالي، فلا مرية في أنه غير صحيح، على أن ابن العطار في رقائقه صغى إلى إجازة ذلك، فقال: في إجازة أعوان القاضي إذا لم يكن بيت مال أنها على الطالب، فإن أدى المطلوب كانت الإجازة عليه، مال إليه ابن رشد، ورده عليه ابن النجار القرطبي، وقال إن ذلك من باب العقوبة في المال، وذلك لا يجوز بحال.

الثاني: أن تكون جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه، فالعقوبة فيه عنده ثابتة، فإنه قال في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه، إنه يتصدق به على المساكين قلّ أو كثر، وذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إلى أن يتصدق بما قل منه دون ما كثر، وذلك محكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه أراق اللبن المغشوش بالماء، ووجه ذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له لكن من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة .. على أن أبا الحسن اللخمي قد وضع له أصلًا شرعيًا، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أمر بإكفاء القدور التي أغليت بلحوم الحمر قبل أن تقسم، وحديث العتق بالمثلة أيضًا من ذلك، ومن مسائل مالك في المسألة: إذا اشترى مسلم من نصراني خمرًا فإنه يكسر على المسلم ويتصدق بالثمن أدبًا للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه، وعلى هذا المعنى فرع أصحابه في مذهبه، وهو كله من باب العقوبة في المال، إلا أن وجهه ما تقدم] (1) ، وللقرطبي كلام يحتمل أن يكون من هذا الباب أي كون العقوبة تجوز بالمال في الذي وقعت فيه الجناية منه، ويحتمل أن يكون مطلقًا، فقد قال -رحمه الله-: [لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن، فأما في المال فقال في الذمي يبيع الخمر من المسلم: تراق الخمر على المسلم، وينزع الثمن من الذمي عقوبة له، لئلا يبيع الخمر من المسلمين فعلى هذا يجوز أن يقال تجوز العقوبة في المال، وقد أراق عمر رضي الله عنه لبنًا شيب بماء] (2) ، وقال -رحمه الله- عند تفسيره لقوله تعالى:] وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [ (الإسراء:81) ، قال: [في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، ومالا يصلح إلا لمعصية الله، كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى، قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المَدَر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه، إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرًا أو قطعًا فيجوز بيعها والشراء بها، قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال، ... وقد هم النبي r بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة، وهذا أصل في العقوبة في المال، مع قوله عليه الصلاة والسلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها دعوها فإنها ملعونة، فأزال ملكها عنها تأديبًا لصاحبتها وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به، وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنًا شيب بماء على صاحبه] (1) ، فهو هنا لم يفصل بين ما إذا تعلقت الجناية بنفس المال فتجوز العقوبة عليه، وبين ما إذا كانت الجناية مطلقة فتجوز أيضًا، إلا أن الأدلة التي ساقها كلها تحوم حول جنايات متعلقة بالأموال، فالأولى حمل كلامه بما يوافق مذهب أصحابه لا سيما وقد قال الحطاب المالكي: [والعقوبة بالمال أمر كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك وعادت العقوبة في الأبدان، ... وقال القرطبي في حديث التي لعنت الناقة وأتت النبي r: يستفاد منه جواز العقوبة بالمال في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك] (2) ، فما نقله عنه هنا صريح في أن العقوبة المالية إنما تكون في المال الذي وقعت فيه الجناية، كلعن الناقة، وغش اللبن، ورداءة الملاحف، واستخدام آلات اللهو الحرام والتماثيل والصور ونحو ذلك، وجاء في البيان والتحصيل: [وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشًا ترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق، إنما سألني أنه أراد أن يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش فنهيته عن ذلك، وسئل مالك عما يغش من اللبن، أترى أن يراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق به على المساكين من غير ثمن إذا كان هو الذي غشه، قيل له: فالزعفران أو المسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه، فأراه مثل اللبن، وسئل ابن القاسم عن هذا، فقال: أما الشيء الخفيف من ذلك فلا أرى به بأسًا، وأما إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وأرى على صاحبه العقوبة، لأنه يذهب في ذلك أموال عظام] (3) .

القول الثاني: قول من قال إن العقوبات المالية إذا كانت على وجه الأخذ لا تجوز بالإجماع، فعند الدسوقي في حاشيته: [قوله:"وقد يكون بغير ذلك"أي: كإتلافه لما يملكه، كإراقة اللبن على من غشه حيث كان يسيرًا، ولا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعًا، وما روي عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من أنه جوز للسلطان التعزير بأخذ المال، فمعناه كما قال البزازي من أئمة الحنفية: أن يمسك المال عنده مدة لينزجر، ثم يعيده إليه، لا أنه يأخذه لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي أي كشراء أو هبة] (4) ، وقال الصاوي المالكي:[قوله"وبالتصدق عليه بما غش"أي وأما التعزير بأخذ المال فلا يجوز إجماعًا ... إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي وفي نظم العمليات:

ولم تجز عقوبة بالمال *** أو فيه عن قول من الأقوال] (1) ، والقول بعدم جواز العقوبات المالية هو إحدى الروايات عن الإمام مالك -رحمه الله-، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: [وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسًا] (2) ، كما ذكر ابن رشد أن مالكًا -رحمه الله- قال: [لا يرى العقوبات في الأموال، لأن العقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام] (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت