أولًا: عند علماء الأحناف:
قال الكاساني -رحمه الله-:[لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، واختلفوا في دار الإسلام بماذا تصير دار الكفر؟ قال أبو حنيفة: إنها لا تصير دار الكفر إلا بثلاث شرائط:
أحدهما: ظهور أحكام الكفر فيها.
الثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر.
الثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنًا بالأمان الأول وهو أمان المسلمين، وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: إنها تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، وجه قولهما أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام، والنار دار البوار لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر، فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله سبحانه وتعالى أعلم.
وجه قول أبي حنيفة -رحمه الله- أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف، ومعناه أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام، وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر] [1]
قال العلامة التهانوي: [ودار الإسلام عندهم ما يجري فيه حكم إمام المسلمين من البلاد، ودار الحرب عندهم ما يجري فيه أمر رئيس الكفار من البلاد كما في الكافي، وفي الزاهدي أنها ما غلب فيه المسلمون وكانوا فيه آمنين، ودار الحرب ما خافوا فيه من الكافرين، ولا خلاف في أنه يصير دار الحرب دار إسلام بإجراء بعض أحكام الإسلام فيها] [2] .
فهذه بعض نقولات من كلام علماء السادة الأحناف تبين حقيقة دار الإسلام وحقيقة دار الكفر في مذهبهم، وخلاصة قولهم في تحديد مفهوم دار الكفر أو"دار الحرب"أن لهم في ذلك قولين: الأول: وهو قول الإمام أبي حنيفة - -رحمه الله- - إن الدار إنما تصير دار حرب أو يحكم عليها بأنها صارت دار حرب بثلاثة شروط، ومتى فُقِد شرط منها فهي دار إسلام.
الشرط الأول: أن تكون متصلة بأرض الكفر، فلا يفصل بينها وبين أرض الكفر دار للمسلمين، أما إذا كانت دار الإسلام محيطة بها من كل جانب أو فصلت بينها وبين دار الكفر فإنها لا تصير بذلك دار حرب.
الشرط الثاني: أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه، ولا ذمي آمن بأمانه، بمعنى أن لا يكون خوف المسلمين والذميين من الكافرين هو سمة ذلك البلد، إضافة إلى ذلك فإن كان هناك أمان للمسلم والذمي فهو بالنظر إلى الأمان الأول الذي استحقوه واكتسبوه من الإسلام أصلًا ولهذا يكررون في عباراتهم (لا يبقى آمنًا بالأمان الأول) ، فظاهره أن الأمان إن كان من جهة الكافرين المتغلبين لأي أمر كان فالشرط يعتبر مختلًا والأمان الظاهر في حكم العدم.
الشرط الثالث: أن تعلوها أحكام الكفر بحيث تكون هي الظاهرة في تلك الدار والمسيطرة عليها والحاكمة لأهلها، قال ابن قدامة-رحمه الله - حاكيًا مذهب الإمام أبي حنيفة: [وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء، أن تكون متاخمة لدار الحرب لا شيء بينهما من دار الإسلام، الثاني: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن، الثالث: أن تجري فيها أحكامهم] [3]
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن كلام الإمام أبي حنيفة إنما ينصب على الدار التي حكمها الإسلام، وعلتها أحكامه وصارت يومًا ما دار إسلام بذلك، ثم بعد هذا غلب عليها الكافرون وأجروا فيها أحكامهم فهي التي يشترط لتحولها دار حرب ما ذكر، وهذا ما يشير إليه قول الكاساني: [واختلفوا في دار الإسلام بماذا تصير دار الكفر] ، وليس المقصود من كلامه أن كل دار كان المسلم آمنًا فيها بإيمانه والذمي بأمانه ولم تكن متاخمة لدار العدو فهي دار إسلام، حتى ولو لم تر نوره وتعلها أحكامه قط، فكلام العلماء المنقول آنفًا يبين أن هذا ليس هو المقصود، إذ الصيرورة هي بمعنى التحول من حال إلى حال، والمعنى هنا هو تحول دار الإسلام إلى دار الكفر، وهذا الأمر وإن كان في غاية الوضوح إلا أن التنبيه عليه مهم لا سيما في هذا العصر الذي ميعت فيه الحقائق وحرفت النصوص واتُّبِع المتشابه لأدنى مناسبة.
القول الثاني: وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة - رحمهم الله -، حيث يجعلانها دار حرب بمجرد علو أحكام الشرك عليها، فهما يوافقان إمامهما في الشرط الثالث فقط، وقد نقلنا من كلام علماء المذهب ما يبين كلًا من القولين.
ثانيا: مذهب الجمهور:
ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الدار تكون دار حرب حيث غلب عليها الكفار وأجروا فيها أحكامهم، كما أن الدار التي يغلب عليها المسلمون ويجرون فيها أحكام الإسلام تصير دار إسلام بذلك، فالعبرة عندهم في الحكم على الدار تكون بالغلبة وما يجري فيها من الأحكام، فقول الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن موافق لمذهب الجمهور، كم جاء في المدونة في المذهب المالكي: [ألا ترى أن بلالا أسلم قبل مولاه فاشتراه أبو بكر فأعتقه وكانت الدار يومئذ دار حرب لأن أحكام الجاهلية كانت ظاهرة يومئذ] (1) ، وقال ابن قدامة: [ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة] (2) ، وقال الإمام ابن القيم-رحمه الله-: [قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت فيها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة من مكة جدا لم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل] (3) ، قال القاضي أبو يعلى الحنبلي -رحمه الله-: [وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الإسلام دون أحكام الكفر فهي دار إسلام، وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر] (4)
وقال عبد القادر البغدادي الشافعي-رحمه الله-: [كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهلها بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي، ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة فهي دار الإسلام، وإذا كان الأمر على ضد ما ذكرناه في الدار فهي دار الكفر] (1) ، وكلام العلامة البغدادي بالنسبة لغلبة الكافرين وإجراء أحكامهم حتى يحكم على الدار بأنها دار كفر ظاهر، ولكن قوله: [ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة] ، لم يظهر لي وجه إضافة هذا القيد، لأن هناك حقبة من التاريخ قهر فيها أهل البدعة - وهم الجهمية - أهل السنة وامتحنوهم وألزموهم بمذهبهم وولوا المناصب من وافق قولهم، وكانوا هم أولي الأمر وذوي السلطان وأصحاب الشوكة، وذلك كما وقع زمن محنة الإمام أحمد -رحمه الله- في القول بخلق القرآن، ومع ذلك لم يشتهر عن أحد من العلماء المعاصرين للمحنة أو غيرهم القول بأن الدار انقلبت دار كفر، فينظر ما وجه زيادة ما قاله العلامة البغدادي.
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه الله-: [وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم أو لتجارة بينهم كافرًا ولا مسيئًا، بل هو مسلم محسن، ودارهم دار إسلام لا دار شرك، لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها] (2) ، وقال العلامة الشوكاني -رحمه الله-: [الاعتبار بظهور الكلمة فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا لكونه مأذونًا له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس] (3)
وبهذا يظهر - والله أعلم - وحسب مذهب الجمهور ومن وافقهم من علماء الأحناف أن الدار يحكم عليها باعتبار الأحكام التي تعلوها والتي لأهلها القوة والغلبة، فإن كانت أحكام الإسلام هي الجارية حكم على الدار بأنها دار إسلام، ولو لم يكن أكثر أهلها مسلمين، وإن كانت القوة والغلبة لأحكام الكفر حكم على الدار بأنها دار كفر وإن كان أكثر سكانها مسلمين، وهذا الذي ذهب إليه الجمهور هو الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم-، وذلك لأن الشارع قد رتب بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بدار الحرب ودار الإسلام وإن لم ترد هذه التسمية بعينها (دار الحرب) في الكتاب أو السنة، وإنما وردت السنة بتسميتها أرض العدو كما في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر عن رسول الله r: [ أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو] .
ومن خلال الاستقراء لسيرة النبي r يظهر التغير المباشر لتلك الأحكام بمجرد غلبة الإسلام على دار من الديار التي كانت تحت سلطان المشركين وشوكتهم، فمثلًا الهجرة من مكة إلى المدينة كانت أمرًا واجبًا لم يُستثن منه إلا المستضعفون كما قال تعالى:] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (النساء: [(النساء 97 - 99) ، قال الإمام ابن جرير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: [يعني جل ثناؤه بقوله: إن الذين توفاهم الملائكة إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ظالمي أنفسهم يعني مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه ... قالوا فيم كنتم يقول: قالت الملائكة لهم فيم كنتم في أي شيء كنتم من دينكم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، يعني قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: كنا مستضعفين في الأرض يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله، معذرة ضعيفة وحجة واهية، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، يقول فتخرجوا من أرضكم ودوركم وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحدوا الله فيها، وتعبدوه وتتبعوا نبيه، يقول الله جل ثناؤه فأولئك مأواهم جهنم، أي فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم مأواهم جهنم يقول: مصيرهم في الآخرة جهنم وهي مسكنهم وساءت مصيرا، يعني وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى، ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركين من الرجال والنساء والولدان، وهم العجزة عن الهجرة بالعسرة وقلة الحيلة وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم أن تكون جهنم مأواهم للعذر الذي هم فيه على ما بينه تعالى: يقول الله جل ثناؤه فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، يعني هؤلاء المستضعفين يقول لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فيتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة إذ لم يتركوها اختيارا ولا إيثارا منهم لدار الكفر على دار الإسلام ولكن للعجز الذي هم فيه عن النقلة عنها، وكان الله عفوا غفورا يقول ولم يزل الله عفوا يعني ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بترك العقوبة عليها غفورا ساترا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها] (1)
فلما فتحت مكة وأجريت عليها أحكام الإسلام وكان السلطان والغلبة فيها لأهل الإيمان تغير هذا الحكم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا] (2) ، وللبخاري عن مجاشع بن مسعود: [لا هجرة بعد فتح مكة] ، وذلك لأن مكة بعد الفتح دخلت تحت سلطان المسلمين وقوتهم، فوجوب الهجرة من مكة كان بسبب غلبة المشركين عليها وبسط سلطانهم على أهلها وقهرهم وظلمهم لمن آمن بها، فلما تغلب عليها المسلمون وأزالوا عنها أحكام الشرك وأمن من فيها من المسلمين بسبب ما آتهم الله من القوة رفع حكم الهجرة الذي كان متعلقًا، بها لأنها صارت من هذه الجهة كالمدينة تمامًا، وبهذا يتبين أن المعتبر في الحكم على الديار هو غلبة من يحكمها ونوع الأحكام التي تسري عليها والله تعالى أعلم.
ونسوق في هذا المعنى كلامًا جيدًا - مع طوله - للدكتور محمد خير هيكل يقول فيه:[دار الإسلام: هي البلاد التي يكون نظام الحكم فيها هو النظام الإسلامي، وفي الوقت نفسه يكون الأمن الداخلي والخارجي فيها هو بيد المسلمين من أبنائها، بمعنى أن القوة العسكرية التي تقر الأمن في الداخل، وتحمي حدود البلاد من العدو في الخارج - هذه القوة يسيطر عليها المسلمون، بحيث لو شاركهم فيها غير المسلمين تكون مشاركتهم فيها ثانوية، وتبقى السيطرة للمسلمين.
هذا، وتستنبط ضرورة وجود هذين الشرطين معا، أي: الحكم بالإسلام، والقوة الإسلامية الحامية للبلاد وأهلها، في الداخل والخارج - تستنبط ضرورة وجود هذين الشرطين معا لصحة وصف البلاد بكونها دار إسلام من واقع مكة، وواقع المدينة بعد الهجرة، فقبل الهجرة كانت مكة وغيرها من بلاد الدنيا دار كفر ما في ذلك شك فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسلمون إلى المدينة، وأقام فيها الدولة الإسلامية وجدت أول دار إسلام في تاريخ المسلمين، وبقيت مكة على حالها دار كفر، ومن هنا نستطيع من إدراك واقع مكة، وغيرها التي هي دار كفر، وواقع المدينة التي كانت هي وحدها دار الإسلام - نستطيع من إدراك هذين الواقعين، وما بينهما من مفارقات أن نستنبط المقومات التي على أساسها تكون الدار دار كفر، أو دار إسلام، فماذا كان واقع مكة وغيرها من بلاد الدنيا؟ وما هي المتغيرات التي حصلت في واقع المدينة بعد أن أقيمت فيها دار الإسلام؟ من الواضح أن الواقع الذي كان في مكة وغيرها بالنسبة للإسلام والمسلمين قد تحول من النقيض إلى النقيض في المدينة بعد الهجرة.
في مكة وغيرها لم يكن الإسلام على مستوى البلاد هو الذي تنفذ أحكامه - بطبيعة الحال - وإن كان قد ظهر شيء من شعائره كصلاة بعض المسلمين في ظل الكعبة أحيانا، فلم يكن ذلك بقوة ذاتية من المسلمين يفرضون فيها هذا الشعار بشكل دائم، وإنما كان ذلك بإذن من أصحاب القوة من الكفار، أو بسكوتهم عن ذلك على مضض، ولو أرادوا حسم هذا الأمر لفعلوا، ومن جهة أخرى لم يكن المسلمين آمنين على أنفسهم إلا بقدر ما يمنحهم الكفار ذلك الأمان، إما بالحماية المباشرة كما كانت الحال مع البعض، وإما بالسكوت عنهم ذلك السكوت الذي تقطعه صرخاتهم حين تنهال عليهم سياط الفتنة والتعذيب متى أراد الكفار ذلك، كما كان كثير من المسلمين يعيشون تحت الاضطهاد الدائم، والتهديد المقيم، هذا ما كان عليه واقع مكة حيث يعيش المسلمون، لا لظهور للإسلام فيها، وإن ظهر شئ من شعائره فبإذن من الكفار، ولا أمان للمسلمين فيها، وإن حصل الأمان فبحماية من الكفار ... هذا , ولما هاجر المسلمين إلى المدينة اختلف الواقع، فقد ظهر الإسلام على مستوى البلاد، وصار في موقع الحكم والسلطان، بقوة المسلمين الذاتية، حتى صار الكفر في المدينة إذا ظهر شئ من شعائره إنما يظهر بإذن من المسلمين وذمة منهم - في الحدود المشروعة بطبيعة الحال- على عكس ما كان عليه الحال في مكة وغيرها، وكذلك الأمان الذي تمتع به المسلمون في المدينة كان أمانا يستند إلى القوة الإسلامية التي تحميهم في الداخل والخارج حتى صار أمان الكفار في المدينة أمانا ممنوحا من قبل المسلمين بالذمة العهد، على عكس ما كانت عليه الحال في مكة وغيرها، وهكذا ندرك من المفارقات بين واقع مكة وغيرها قبل الهجرة، وبين واقع المدينة بعد الهجرة أن هناك أمرين اثنين بتوافرهما معا أصبحت المدينة دار إسلام: أولا: ظهور الإسلام بمعنى أن النظام العام الحاكم في البلاد هو النظام الإسلامي، ثانيا: تمتع المسلمين بالأمن الذي يستند إلى قوة المسلمين الذاتية.
والخلاصة أن كون المدينة بعد ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إليها كانت هي وحدها دار الإسلام، دون سائر أنحاء الأرض، وأنها تميزت عن سائر بلاد الدنيا بالحكم الإسلامي، وبأمان المسلمين الذاتي، هذا الأمر يكفي دليلا على أن أي بلد لا تصير دار إسلام ولا توصف بكونها دار إسلام إلا بما صارت به المدينة دار إسلام، وهي لم تصر كذلك إلا بهذين الشرطين وهما: الحكم بالإسلام، والقوة الذاتية للمسلمين، تلك القوة التي يتمكنون بها من شيئين: الشيء الأول: فرض الحكم بالإسلام على هذه الدار، الشيء الثاني: بسط الحماية عليها، وتوفير الأمن فيها ... ومعنى هذا أنه إذا تخلف أحد الأمرين لا تكون البلاد دار إسلام] (1)
ومن هنا يتبين كما ذكرنا من قبل أن الحكم على الدار بكونها دار إسلام أم دار كفر لا تعلق له بعدد سكان المسلمين أو نسبتهم، ولا ينظر في ذلك إلى قلتهم أو كثرتهم بل المعتبر هو القوة التي تسيطر والأحكام التي تجري، ولكن ننبه إلى أن حرمة المسلم في نفسه وعرضه وماله وأهله باقية حيثما كان، سواء في دار إسلام أم دار كفر، لا يختلف في حقه من ذلك شيء، وذلك لعموم الأدلة القاضية بحرمة المسلم كقول النبي r: [ كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه] (2) ، وقوله r: [ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (3) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: [لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه] (4) ، وقوله r: [ إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا] (1) ، وهذه الأحاديث وغيرها لم تخص حرمة دمه أو عرضه أو ماله بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان، ولا يحل ترك هذه النصوص الصريحة الجازمة الواضحة والاعتماد في ردها على ظنون وأوهام لا تقوى أن تكون بمجردها أدلة معتمدة فضلًا عن معارضة الأدلة الشرعية القاطعة، ولهذا فقد هون الإمام الشوكاني من أثر التعرض لذكر دار الإسلام أو دار الكفر لأن أصل الأحكام لا تتعلق بوصفهما فقال في هذا الشأن: [واعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر قليل الفائدة جدا لما قدمنا لك في الكلام على دار الحرب، وأن الكافر الحربي مباح الدم والمال على كل حال ما لم يؤمن من المسلمين، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الإسلام في دار الحرب وغيرها] (2) ، وكلام الإمام الشوكاني إنما سقناه فقط لأجل تنصيصه على ثبوت عصمة دم ومال المسلم حيثما كان سواء في دار الإسلام أو في دار الحرب، أما ما ذكره من قلة فائدة التعرض لذكر دار الإسلام ودار الحرب فغير مسلم على هذا الإطلاق، وفي بيان بقاء عصمة دم المسلم وماله حيثما كان يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- عندما سئل: [عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، دماء السلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب أو تعريض، أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت، ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم، وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه] (1) .
وبغض النظر عن جعل الدار التي ذكرها شيخ الإسلام وما يشابهها قسما ثالثًا أم لا، فإن المقصود هنا أن حرمة المسلم في نفسه وماله وعرضه لا تتغير بتغير الديار، بل يبقى مصون الدم والمال والعرض حيثما حل وأينما نزل. وقال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي -رحمه الله-:
على دار إسلام وحَل َّ بها الوجلوأظهرها فيها جهارًا بلا مهلولم يَظهر الإسلام فيها ويُنتحلكما قاله أهل الدراية بالنِحَلفرُبَّ امريء فيهم على صالح العمل إذا ما تولى كافرٌ متغلبٌوأجرى بها أحكامَ كفر ٍ علانيًا وأَوْهَى بها أحكام شرع محمدفذى دار كفر عند كل محققوما كل مَنْ فيها يُقال بكفره
[1] - (بدائع الصنائع: 7/ 130)
[2] - (موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون: 1/ 779) .
[3] - (المغني: 9/ 25)
(1) (المدونة الكبرى: 3/ 22) .
(2) - (المغني: 9/ 25) .
(3) - (أحكام أهل الذمة: 2/ 728) .
(4) - (المعتمد في أصول الدين276) .
(1) - (أصول الدين: 270)
(2) - (المحلى: 11/ 200)
(3) - (السيل الجرار: 4/ 757)
(1) - (تفسير الطبري: 2/ 233)
(2) - متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنه
(1) - (الجهاد والقتال في السياسة الشرعية1/ 669 - 671) .
(2) - رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) - متفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(4) - رواه أحمد والبيهقي وغيرهما عن حنيفة الرقاشي، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع: 7662)
(1) - متفق عليه عن أبي بكرة رضي الله عنه.
(2) - (السيل الجرار: 4/ 576)
(1) (مجموع الفتاوى: 28/ 240 - 241)