الصفحة 35 من 40

من المعلوم بداهة أن أمر إقامة الحدود يرجع في أصله إلى الإمام أو من يقوم مقامه ممن يوكل إليه هذا، وذلك لأن الإمام نائب عن الأمة، وقائم مقامها، ولكن كما نعلم فإن تقرير الأحكام الفقهية إذا كان بمعزل عن الواقع، ودون اعتبار لملابساته وملاحظة لتغيراته فإنه غالبًا ما يكون مجرد ترف فكري يقوم به الفقيه أو الباحث، لا تكاد تجنى به فائدة عملية مما يحتاجها الناس في حياتهم اليومية المتجددة، وإن الفائدة العملية هي أساس الفقه ومقصوده، فالمتكلم عما كتبه الفقهاء وأصلوه في كتبهم ودونوه في مصنفاتهم لا بد له وهو يغترف من ذلك المعين وينهل من ذلك المورد أن يقارن بين البيئة والظروف التي كانت تحيط بهم عند تسطيرهم لتلك الأحكام وبين الواقع الذي يرغب في معرفة حكمه وإنزال ما قرره الفقهاء عليه، حتى لا يبعد النجعة، ويقوّل العلماء ما لم يقولوا، وينسب إليهم ما لم يتبنوا، وهذه المسألة في غاية الأهمية عند بحث أية جزئية لها ارتباطها الوثيق بالواقع ومتغيراته، فرب ظرف من الظروف أو حالة من الحالات أو ملابسة من الملابسات كان لها تأثيرها القوي والبارز في تقرير حكم شرعي معين، فبمجرد تغير ذلك الظرف أو زوال تلك الحالة أو انتفاء تلك الملابسة يصبح الحكم مغايرًا تمامًا لما كان عليه تبعًا لتغير ذلك الواقع، فليس الفقيه فقط من يستطيع أن يستخرج أقوال العلماء من دواوينهم ثم يرجح بينها، وإنما لا بد أن يضيف إلى عمله قدرته على إنزال تلك الأحكام بصورة محكمة ومتقنة وصحيحة على الواقع الذي يعيشه كما استطاع الفقهاء أن يحكموا به على واقعهم الذي عاشوا فيه، ولا نعني بذلك تقرير تطوير الشريعة الذي يدعو إليه بعض المنسلخين، أو تمييعها من أجل ما يسميه بعض المنهزمين (مواكبة العصر) ، ولا الخروج عن القواعد والضوابط الأصولية الثابتة المستقرة التي يتم بها الاستنباط والترجيح، ولكن المقصود هو البحث في الواقع والظروف والحالات التي كتب الفقهاء فيها الأحكام الشرعية المتعلقة بها، وتمييز ما له تأثير منها في ترجيحاتهم مما ليس كذلك، ثم البحث في مدى مطابقة أو مشابهة واقع الباحث وظروفه وملابساته للظروف التي اعتبرها الفقهاء وكان لها تأثير في ترجيحات أقوالهم، وإلا فإن إغفال مثل هذا الأمر وعدم (تحقيق المناط) تحقيقًا جيدًا صحيحًا يوقع في اضطراب كبير في الأحكام، ويجعل ما يكتبه الباحث ويقرره في واد وما كتبه الفقهاء وقرروه في واد آخر وإن ظن أن حاله كحالهم وأن ما يكتبه هو عين ما في كتبهم.

ومسألتنا التي نحن بصددها من هذا القبيل أو الجنس، وذلك لأن أحوال المسلمين في حياتهم المرتبطة بإقامة الحدود والتعازير لا تخرج عن صورتين:

الأولى: أن يكونوا تحت إمام ممكن له، مطاع فيهم، يقوم بمهامه الشرعية من تجييش الجيوش، وإقامة الجهاد وتنفيذ الحدود والأحكام وغير ذلك مما هو من واجبات الأئمة التي ألزمهم الشارع بها.

الثانية: أن يكون المسلمون بلا إمام يقيم فيهم أحكام الله وينفذ أوامره، وهذه هي حال حياة المسلمين اليوم، فالمسلمون يعيشون تحت أحكام الكفر وقوانين الجاهلية والياسقات العصرية، تجري عليهم أحكام الكافرين، وهم ملزمون بالتحاكم إلى تلك القوانين، فصارت شرائع الإسلام نسيًا منسيًا، فهم يعيشون بلا راع يحوطهم، ولا إمام يقيم فيهم الملة، وبهذه الحالة أصبحت الصورة الأولى التي ذكرناها في عداد المتمنيات، وما قامت الجماعات الإسلامية إلا وهي تسعى للوصول إلى تلك الحالة وبلوغها، وإذا تأملنا في كلام الفقهاء حول إقامة الحدود ومن يقيمها، والظروف التي دونوا فيها تلك الأحكام لوجدناها منطبقة على الصورة الأولى، حيث وجود إمام ممكن ذي سلطان وقدرة، يقيم أحكام الله ويلزم الناس بها، لأن قولهم مثلًا: إن التعازير لا يقوم بها إلا الإمام؟ يقتضي أن هناك إمامًا موجودًا قائمًا قادرًا على إقامة هذه الأحكام، وحيث لا إمام - حسب هذه العبارة - فإن إقامتها تؤخر إلى مجيئه، أو تبطل كليًا لانعدامه، فهل هذا الفهم لكلام الفقهاء يكون وجيهًا؟، بحيث يعيش الناس عند خلو الزمان أو المكان من إمام ممكن في فوضى، ويحرم عليهم أن يقيموا فيما بينهم ما يستطيعون من أحكام الإسلام (التي كانت في أصلها من مهام الإمام) وينفذوا ما في وسعهم من زواجره وعقوباته، بينما يختص التنعم بتلك الأحكام الشرعية والتظلل بظلها بمن كان تحت إمام شرعي ممكن؟.

أنقل أولًا أقوال الفقهاء في هذه المسألة ثم أحاول أن أبين ما يترجح لي في ذلك ومن الله أستمد العون:

قال الإمام الصنعاني -رحمه الله-:[وليس التعزير لغير الإمام إلا لثلاثة: الأب فإن له تعزير ولده الصغير للتعليم،

والزجر عن سيئ الأخلاق، والظاهر أن الأم في مسألة زمن الصبا في كفالته لها ذلك، وللأمر بالصلاة والضرب عليها، وليس للأب تعزير البالغ وإن كان سفيهًا، والثاني: السيد يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى على الأصح، والثالث: الزوج له تعزير زوجته في أمر النشوز كما صرح به القرآن] (1) ، وقد زاد كثير من العلماء على هؤلاء الثلاثة تأديب المعلم من يتأدب عنده، وقال في نهاية المحتاج عند قول صاحب المتن: ["ويجتهد الإمام في جنسه وقدره"قال الشارح: وأفهم كلامه عدم استيفاء غير الإمام له ثم قال محشيه:"قوله عدم استيفاء غير الإمام له"أي فلو فعله لم يقع الموقع، ويعزر على تعديه على المجني عليه] (2) ، ولا شك أن المقصود من العقوبات المحددة أو غيرها هو زجر الناس عن ارتكاب المحرمات، وإلزامهم بفعل الواجبات، والمحافظة على دين الناس وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم، وهذا المقصد الشرعي الهام لا يراعى في حالة دون حالة، ولا في زمن دون زمن أو مكان دون مكان، بل الشريعة جاءت بكل ما يحفظ دين الناس، ويبقي الشرع بعيدًا عن البدع والمحدثات والزيادة والنقص فيه، وجاء فيها من الزواجر والترهيب عن ظلم الناس والتعدي عليهم في أنفسهم، أو الطعن في أعراضهم، وأكل أموالهم بغير حق الكثير الكثير، فبما أن هذه المقاصد الشرعية هي من أهم الأمور المرعية في الشرع، وعلم أنها لا تختص بحالة أو زمن أو مكان، وإنما هي ملازمة لهذا الدين، وأن فساد العالم وخرابه مبني على فساد إحدى هذه الأمور، وصلاحه يكون بحسب صلاحها، علمنا أن الشارع إنما أوكل أمر إقامة الحدود للإمام لما فيه من كف الناس عن الظلم، وقدرته بما لديه من سلطان من الانتصاف للمظلوم ورد الحقوق إلى أهلها على وجه تنعدم أو تقل فيه الفوضى إلى أقصى حد، وتستقيم أمور الناس على الحق، وينتظم معاشهم فيعيشون آمنين مطمئنين، إذ لا يخفى أن إسناد أمر إقامة الحدود إلى آحاد الناس، وإطلاق أيديهم لاستيفائها من بعضهم يجر إلى تهارج لا ينقطع، وفساد لا ينتهي أو يندفع، مما يلغي الفائدة التي جاءت لأجلها الحدود، ويأتي بنتيجة مضادة تمامًا للمقصود، وهذا أمر مدرك بالشرع والعقل، ومع ذلك فمحال أن يترك الناس سدى من غير رادع ولا وازع عند شغور الزمان من سلطان، وخلوه من صاحب الشوكة الممكن الذي أوكل إليه أمر إقامة الزواجر، كما أنه من المستحيل أن تجوز الشريعة للناس في مثل هذا الظرف أو غيره أن يتواطئوا على أحكام ليست من الشرع في شيء ليعتمدوا عليها في فض نزاعاتهم، ورفع خصوماتهم، واسترداد حقوقهم.

ولأهمية إقامة الحدود والتعازير بين الناس، ولإيجاب الشارع ذلك عليهم، فإن بعض العلماء استدل على وجوب تنصيب الإمام بالأدلة الآمرة بوجوب إقامة الحدود، للعلم بأن انعدام الإمام يجعل حياة الناس فوضى كالأغنام التي لا راعي لها، وإذا لم تقم في الناس حدود الله تعالى ويحكم فيهم بكتابه فلا تسأل بعدها عن مدى الخراب والفساد الذي يصيب دينهم ودنياهم كما نراه اليوم، وفي هذا يقول العلامة ابن عادل الحنبلي في تفسير قوله تعالى:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ (المائدة: 38) : [احتجوا بهذه الآية على أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إمامًا معينًا، لأنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة، فلابد من شخص يكون مخاطبًا بهذا الخطاب، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا الإمام، فلما كان هذا تكليفًا جازمًا، ولا يمكن الخروج من عهدته إلا بوجود إمام وجب نصبه، لأن ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب] (1) ، ولا شك أن تنصيب الإمام واجب على الأمة كما حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء، إلا أن هذا لا يعني أن الأمة في سعة من أمرها في ترك القيام بباقي الواجبات حسب الاستطاعة وبما في الوسع سواء منها ما كان موكولًا إلى الإمام أم لا، لأن عموم الواجبات الشرعية ليست مختصة بزمن دون زمن ولا متقيدة بمكان دون آخر وإنما الواجب القيام بها وأدائها حسب المستطاع، وأمر إقامة الحدود من هذا القبيل.

وهنا نشير إلى مسألة مهمة، وهي أن العلماء رغم تنصيصهم على أن الحدود لا يقيمها إلا الإمام، ولا يستوفيها غيره أو من ينوب عنه كما قالوا: [ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه] (1) ، مع ذلك فقد ذكروا مسألة (التحكيم) وحقيقتها: أنه لو تحاكم اثنان لمن هو أهل للقضاء - والإمام موجود- لنفذ حكمه ومضى ما قضى به، تمامًا كما يمضي حكم من ولاه الإمام ذلك من القضاة على خلاف بينهم في حدود ومجال ما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز، قال الشيخ ابن ضويان -رحمه الله-: ["فلو حكم اثنان أو أكثر بينهما شخصًا صالحًا للقضاء: نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه"لحديث أبي شريح وفيه: أنه قال:"يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، قال ما أحسن هذا"رواه النسائي،"وتحاكم عمر وأُبيّ إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم، ولم يكن أحد منهما قاضيًا"] (2) ، ولا تكاد المذاهب تختلف في أصل جواز التحكيم وإنما وقع بينهم الاختلاف في حدود هذا التحكيم وما يجوز منه وما لا يجوز، فأطلق بعضهم وحصره بعضهم في قضايا وأمور معينة.

قال البهوتي: [وإن تحاكم شخصان إلى رجل للقضاء بينهما فحكم، نفذ حكمه في المال والقصاص والحد النكاح واللعان وغيرها، حتى مع وجود قاض فهو كحاكم الإمام، لما روى أبو شريح أن رسول الله r قال له:"إن الله هو الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي كانوا إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي الفريقان، قال: فما أحسن هذا، فمن أكبر ولدك؟ قال شريح، قال: فأنت أبو شريح"أخرجه النسائي، وعنه r:"من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضيا به فلم يعدل بينهما بالحق فعليه لعنة الله"رواه أبو بكر، ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم، ولأن عمر وأبيًا تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكن أحد منهما قاضيًا] (1) .

فإذا كان هذا والإمام قائم والقضاة موجودون منصَّبون، فكيف لا يجوز للناس عند شغور الزمان من القضاة، وخلوه ممن يكون له سلطان وقدرة يقيم بها ما يستطاع من أحكام الشرع وحدوده، أن يقدموا من يرتضونه من أهل العلم والدين والشوكة فيجري عليهم ما في الوسع من تلك الأحكام؟!، لا سيما وأن الحدود التعازير قد خوطب بإقامتها مجموع الأمة ابتداء، وإنما الإمام نائب عنهم، وقائم مقامهم، لما أوتي من سلطان وقوة وقدرة يستطيع بها استيفاء الحقوق، ورد المظالم، وقطع التهارش، وكف الأيدي عن الظلم والعدوان، فإذا انعدم هذا الإمام في زمان من الأزمنة، أو انحسر سلطانه في مكان من الأمكنة لعجز أو تفريط، رجع الخطاب إلى مجموع الأمة، وصارت مطالبة بإقامة أحكام الله وحدوده حسب المستطاع وبقدر الإمكان لقول الله تعالى:] لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [ (البقرة: 286) ، والتحاكم بين الناس إلى مقدم يرتضونه يفصل بينهم بالشرع غالبًا ما يكون في الطوق، وقال الله تعالى:] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [ (التغابن: 16) ، ولقول النبي r: [ ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم] (2) .

وقد أوضح شيخ الإسلام -رحمه الله- هذه القضية أيضًاحا تامًا وبينها بيانًا كافيًا شافيًا لا مزيد عليه فقال: [خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا [، وقوله:] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [، وقوله:] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ [، وكذلك قوله:] وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرًا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد، فقوله:] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [، وقوله:] وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ [، وقوله:] إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [، ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين، والقدرة هي السلطان، فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه، والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابًا أوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضًا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك، بل عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك، لكان ذلك الفرض على القادر عليه، وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحكام، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مضيعًا لأموال اليتامى أو عاجزًا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعًا للحدود أو عاجزًا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه، والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه والله أعلم] (1) ، كما تكلم إمام الحرمين الجويني في هذه المسألة فقال:[فإذا شغر الزمان عن كاف مستقل بقوة ومنعة، فكيف تجري قضايا الولايات، وقد بلغ تعذرها منتهى الغايات فنقول:

أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجمع وجر العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر. ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... وإذا لم يصادف الناس قوامًا بأمورهم يلوذون به، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عم الفساد البلاد والعباد ... وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة، وسكان كل قرية، أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات] (1) .

وقال ابن نجيم: [وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقليد منه، كما هو في بعض بلاد المسلمين، غلب عليهم الكفار في بلاد المغرب كقرطبة الآن وبلنسية وبلاد الحبشة، وأقروا المسلمين عندهم على مال يؤخذ منهم، يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليًا، فيولي قاضيًا ويكون هو الذي يقضي بينهم وكذا ينصبوا إمامًا يصلي بهم الجمعة] (2) وإن كان كلامه يحتمل أن يكون ما يتولاه القاضي في مثل هذه الحال شاملًا للحدود وغيرها، ويحتمل أن تقصر ولايته عنها وتنحصر فيما دونها والأول أظهر.

وقال الإمام الشوكاني -رحمه الله-: [قوله: (إن وقع سببها في زمن ومكان يليه) ، أقول: هذا مبني على أن الحدود إلى الأئمة، وأنه لا يقيمها غيرهم على من وجبت عليه، وليس على هذا أثارة من علم، وما استدلوا به من المروي بلفظ"أربعة إلى الأئمة"فلا أصل له، ولا يثبت بوجه من الوجوه، بل هو مروي من قول بعض السلف، ولا شك أن الإمام ومن يلي من جهته هم أولى من غيرهم كما قدمنا، وأما أنه (لا) يقيمها إلا الأئمة وأنها ساقطة إذا وقعت في غير زمن إمام، أو في غير مكان يليه فباطل، وإسقاط لما أوجبه الله من الحدود في كتابه، والإسلام موجود، والكتاب والسنة موجودان، وأهل الصلاح والعلم موجودون، فكيف تهمل حدود الشرع بمجرد عدم وجود واحد من المسلمين؟! ومع هذا فلا يعدم من له ولاية من إمام، أو سلطان، أو متول من جهة أحدهما، أو منتصب بالصلاحية في كل قطر من أقطار المسلمين، وإن خلا عن ذلك بعض البادية لم تخل الحاضرة] (3) .

(1) - (سبل السلام: 4/ 38) .

(2) - (نهاية المحتاج: 8/ 22) .

(1) - (اللباب في علوم الكتاب: 7/ 332) .

(1) - (الشرح الكبير: 10/ 118) .

(2) - (منار السبيل: 2/ 408) .

(1) - (كشاف القناع: 6/ 308) .

(2) - رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1) - (مجموع الفتاوى: 34/ 175) .

(1) - (الغياثي: 386 - 388) .

(2) - (البحر الرائق: 6/ 298) .

(3) - (السيل الجرار: 4/ 311) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت