الصفحة 16 من 40

بعد أن أنتهى الكلام عن الحدود المقدرة شرعًا وبيان ما ترجح في حكم إقامتها على المجاهدين في دار الحرب، والذي كان المقصد به أصالة إقامتها في الديار التي تحكم اليوم بالقوانين الوضعية التي يجريها المرتدون على أهليها، فسنثني بالكلام عن التعزير، وبيان بعض الأحكام المتعلقة به وبالله نستعين:

أولًا: تعريف التعزير في اللغة:

التعزير مصدر عزَّر يعزِّر تعزيرًا، ويطلق في اللغة على: النصرة، والتعظيم، والتوقير، والمنع، فمنه قوله سبحانه:] وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [ (المائدة: 12) ، ومنه قوله عز وجل:] فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ [ (الأعراف: 157) ، ومنه قوله سبحانه] لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ (الفتح: 9) وما تضمنته هذه الآيات يدور حول المعاني اللغوية التي ذكرناها، قال في مختار الصحاح في بيان معنى التعزير: [التوقير والتعظيم وهو أيضًا التأديب] ، ومن هنا فقد غلَّطوا صاحبَ القاموس لما أدخل في تعريف التعزير قولَه: والتعزير: ضرب دون الحد، فقالوا إن هذا وضعٌ شرعي لا لغوي، إذ إنه لم يعرف إلا من جهة الشرع، فكيف ينسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله، قال ابن نجيم الحنفي: [قال في النهر: وفي القاموس إنه - أي التعزير- من أسماء الأضداد يطلق على التفخيم والتعظيم وعلى التأديب وعلى أشد الضرب وعلى ضربه دون الحد أهـ. قال ابن حجر المكي: الظاهر أن هذا الأخير غلط لأن هذا وضع شرعي لا لغوي، إذ لم يعلم إلا من جهة الشرع، فكيف نسب إلى أهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله، والذي في الصحاح بعد تفسيره بالضرب ومنه سمي ضرب ما دون الحد تعزيرًا، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد هو: كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي، فهو كلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها وزيادة، وهذه دقيقة مهمة تفطن لها صاحب الصحاح وغفل عنها صاحب القاموس وقد وقع له نظير ذلك كثيرًا وهو غلط يتعين التفطن له إهـ] (1) مع أن بعضهم تكلف في تخريج كلامه وحاول إيجاد وجه يدفع به تغليط المنتقدين فأطال من غير طائل.

ثانيًا: تعريف التعزير في الاصطلاح:

تبين لنا في المبحث السابق الخاص بحكم إقامة الحدود في دار الحرب أن من المعاني الشرعية للحد هو العقوبة المقدرة في الشرع، وعلى هذا المعنى خصوصًا جرى اصطلا ح الفقهاء ومضى عرفهم، بحيث لم يعد يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه في كلامهم إلا عليه، ومن هذا يتبين أن العقوبات الشرعية منها ما هو مقدر ومقيَّد كمًا ونوعًا ووصفًا، ومنها ما ليس كذلك، فالعقوبات التي لم تأت الشريعة بتحديد قدرها ولا صفتها هي التي اصطلح الفقهاء على تسميتها تعزيرًا، ولهذا فإن الفقهاء يعرفون التعزير بأنه:

العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، قال ابن قدامة -رحمه الله- في تعريفه: [هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها] (1) ، وقد عرفها في معجم لغة الفقهاء: [ما يقدره القاضي من العقوبة على جريمة لم يرد في الشرع عقوبة مقدرة عليها] ، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-:[وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، فإن المعاصي ثلاثة أنواع:

نوع فيه الحدود ولا كفارة فيه، ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه، ونوع لا حد فيه ولا كفارة.

فالأول: كالسرقة والشرب والزنا والقذف.

والثاني: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر.

والثالث: كوطء الأمة المشركة بينه وبين غيره، وقبلة الأجنبية، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك] (2) ، وتعريفات الفقهاء لا تكاد تخرج عن هذا المعنى وإن تنوعت عباراتهم في ذلك.

ثالثًا: مشروعيته:

دل على مشروعية التعزير الكتاب، والسنة، والإجماع، والاعتبار.

أما الكتاب:

فقوله تعالى:] وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [ (النساء: 34) ، فجوّز للزوج ضرب زوجته عند نشوزها وذلك إن لم يجد وعظها وهجرانها في المضجع، فإذا كان ذلك جائزًا للزوج مع أن الضرر الناتج عن النشوز محدود ومتعلق بفرد فجوازه في المعاصي العامة سواء منها ما يتعلق بحقوق الله أو بحقوق العباد لأجل الزجر وكف الأذى أولى وأحرى والله تعالى أعلم، قال ابن الهمام-رحمه الله-: [وهو مشروع بالكتاب، قال تعالى:] وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [، أمر بضرب الزوجات تأديبًا وتهذيبًا (فتح القدير 5/ 344) ، وقال ابن الأخوة الشافعي-رحمه الله-: [ولأنَّ الله تعالى أباح الضرب للزوج عند نشوز الزوجة وقسنا عليه سائر المعاصي على حسب ما يراه الإمام أو نائبه] (معالم القربة 192) ، وهذه الآية تعد أصلًا عظيمًا في أصول التدرج بالعقوبات من الأدنى إلى الأعلى، والاقتصار على ما يفي بالغرض، والانكفاف عن التعدي والبغي على ما تستوجبه كل معصية، لأن المقصود من العقوبات أصالة هو الزجر عن المعصية والردع عنها، وليس التشفي والإيلام والتعذيب، فإذا حصل فإن التجاوز والزيادة حينئذٍ تعد من الظلم والمعصية، وسيأتي بيان هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في موضعها من هذا البحث.

وأما السنة:

فإن أقوال النبي r وأفعاله قد دلت على مشروعية هذا النوع من العقوبات، فمن ذلك قوله r: [ لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله] رواه الشيخان وغيرهما عن أبي بردة بن نِيَار، قال الترمذي عقب روايته لهذا الحديث [وأحسن شيء يروى في التعزير هذا الحديث] ، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: [أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وقد ذكرناه مرارًا، وقال البخاري -رحمه الله- في صحيحه: باب كم التعزير والأدب، ثم أورد تحته جملة من الأحاديث، منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: [إنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله r إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم] ، وأما مِن فعله r فكهجرانه الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك والذين نزل فيهم قوله تعالى] وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة118، وقصتهم في الصحيحين وغيرهما عن كعب بن مالك -رضي الله عنه-، وكالحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: [نهى رسول الله r عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله r: أيكم مثلي؟، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر لزدتكم، كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا] ، وسيأتي في ثنايا هذا البحث كثير من أقوال وأفعال النبي r عند ذكر حجج العلماء وأقوالهم في المسائل المتفرقة التي سنذكرها.

وأما الإجماع:

فقد حكاه غير واحد من العلماء، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وقد أجمع العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، والمعاصي نوعان: ترك واجب وفعل محرم، فمن ترك أداء الواجب مع القدرة عليه فهو عاص، مستحق للعقوبة والتعزير والله سبحانه أعلم] (1) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: [واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم] (2) ، وقال المباركفوري-رحمه الله-: [وهو مما اشتهر عن الصحابة رضي الله عنهم في قضايا متعددة انتشر ذكرها وشاع بينهم مثلها، وأجمع عليه الصحابة] (3)

وأما الاعتبار:

فإننا نعلم أن المعاصي التي يقترفها الناس وتجذبهم النفوس الأمارة بالسوء إليها لا تنحصر فيما نصت الشريعة على عقوبة مقدرة لها، ولا تتوقف عندها، كما أننا نعلم بالقطع من مجمل نصوص الشرع وطريقته أن من مقصوده زجر الناس عنها وكفهم عن ارتكابها، وذلك اعتبارًا بالعقوبات المحددة (الحدود) ، ومن المشاهد المعلوم أيضًا أن تلك المعاصي والجنايات تتفاوت فيما بينها شناعة وقبحًا، وكذلك بالنظر إلى مرتكبيها، ومواطن وأوقات وهيئات اقترافها، فإذا تم التوقف عن ردع العصاة والمجرمين، وكف أذاهم عن الخلق، ومنعهم من الظلم لبعضهم، وردهم عن الفساد في الأرض فإن ذلك بلا شك يفضي إلى شيوع ما لا يريده الشارع ولا يرضاه من الفحشاء والمنكر والبغي والعدوان، بل يؤدي إلى ما ندب إلى حسمه وحض على منعه وكفه، وعليه فإن إطلاق أيدي الولاة وتخويلهم النظر في العقوبات المناسبة لجناياتها وصفًا وقدرًا ونوعًا يعد من تمام العدل وكمال الحكمة، ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بهذا النوع من الزواجر، حسمًا لمادة الفساد، وتنقية للمجتمع من أدران الموبقات، وكفارة للجناة مما تقترفه أيديهم، فهذه العقوبات تعد طهرة للمجتمع وللجناة في آن، قال ابن فرحون المالكي: [ولما كان الناس لا يرتدعون عن ارتكاب المحرمات والمنهيات إلا بالحدود والعقوبة والزواجر، شرع ذلك على طبقات مختلفة، فالعقوبة تكون على فعل محرم أو ترك واجب أو سنة أو فعل مكروه، ومنها ما هو مقدر، ومنها ما هو غير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال المجرم في نفسه، وبحسب حال القائل والمقول فيه والقول، وقال ابن قيم الجوزية، اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر، وحسب الجاني في الشر وعدمه] (1)

(1) - (البحر الرائق: 5/ 44)

(1) - (المغني: 10/ 342)

(2) - (إعلام الموقعين: 2/ 118)

(1) - (مجموع الفتاوى: 30/ 39)

(2) - (الطرق الحكمية: 1/ 154)

(3) - (تحفة الأحوذي: 5/ 27)

(1) - (تبصرة الحكام: 2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت