لا شك أن اجتهادات ذوي الأمر من الحكام والقضاة والولاة في اختيار عقوبة التعزير كيفًا وكمًا تختلف من شخص إلى آخر، وتتنوع من حالة إلى أخرى، فما يراه البعض زاجرًا ورادعًا لبعض العصاة والمجرمين، يعتبره البعض أحيانًا لا يفي بالمقصود ولا يقود إلى الغرض ويجعلونه دون القدر المطلوب وأقل مما يستحقونه، وما يراه بعضهم تارة حدًا أقصى وغاية قصوى في عقوبة من العقوبات، يعده غيرهم إفراطًا وتجاوزًا وتعديًا كان يغني عنه ما دونه بكثير، وإزاء هذا الاختلاف في الاجتهادات قد ينتج عنه وقوع تلف للمعزَّر، إما أن يكون تلفًا كليًا بحيث يأتي على نفسه، أو جزئيًا بإتلاف عضو من أعضائه أو إذهاب حاسة من حواسه أو نحو ذلك، فمبحث الضمان الذي نحن الآن بصدده يتحدث عن هذه القضية، وهل يكون على المعزِّر من إمام أو قاض أو وال إن أوقع تلفًا على المعزَّر - أثناء تعزيره - ضمان أم أن ما أتلفه يكون هدرًا ولا تثريب عليه فيه ولا مؤاخذة؟
أولًا وقبل الخوض في ذكر اختلاف العلماء حول هذه المسألة نعيد التنبيه على ما ذكرناه مرارًا في هذا البحث من أن عقوبة التعزير وإن كانت تفويضية سواء في اختيار نوعها أو قدرها إلا أن هذا التفويض ليس مبنيًا على التشهي المطلق والانتقاء المجرد والاختيار المنعزل عن الانضباط، بل أن هذا التفويض أو الاجتهاد يستند أساسًا على اختيار ناشئ عن تحري المصلحة الشرعية الواضحة، وتوخي الأحرى والأنفع للجاني وللمجني عليه وللمجتمع، بحيث يبذل الإمام أو القاضي أو الوالي جهده ويستفرغ وسعه أثناء اختياره للعقوبة التعزيرية تمامًا كما يبذل الفقيه طاقته عند استنباطه أو ترجيحه لحكم شرعي، بحيث يصدق عليه حقيقة وحكمًا قول النبي r: [ إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (1) ، وهذا الأصل كما علمنا متفق عليه بين العلماء سواء منهم من يقول بوجوب إقامة عقوبة التعزير وهم الجمهور، أم من يقول بجواز إقامتها على الجاني وهم الشافعية، وهو أصل عظيم ينبغي استحضاره دائمًا وجعله نصب الأعين حتى يكون اختيار المعزِّر للعقوبة منبثقًا عن علم وفهم ودراية وتقوى، ويصبح دافع اعتماد التعزيرات هو المصالح التي يرجع مردودها ويعود نفعها على الجميع وليس ناتجًا عن مجرد إرادة الانتقام أو الإتلاف أو التعذيب والذي يتضمن ظلمًا للجاني، وتعديًا للحدود الشرعية، وخيانة للأمانة، وحيفًا عن العدل، ولهذا قرن الله بينهما بقوله:] إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [ (النساء: 58) ، قال الإمام ابن جرير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: [فتأويل الآية إذًا، إذ كان الأمر على ما وصفنا: إن الله يأمركم يا معشر ولاة أمور المسلمين أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم، وأموالهم وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له، بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها، ولا تستأثروا بشيء منها، ولا تضعوا شيئًا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم، ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله، لا تعدوا ذلك فتجوروا عليهم ... قوله تعالى] إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [ (النساء: 58) بعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين إن الله نعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل، إن الله كان سميعًا يقول إن الله لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولم تجاوزوهم به، بصيرًا بما تفعلون فيما ائتمنتكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم بعدل تحكمون، أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله حتى يجازي محسنكم بإحسانه، ومسيئكم بإساءته أو يعفو بفضله] (1) . أما عن أقوال العلماء واختلافاتهم في مسألة الضمان في التعزير فترجع كلها إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا ضمان على الإمام إذا عزر شخصًا، فأدى التعزير إلى موته وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد رحمهم الله.
الثاني: أن الإمام إذا عزر شخصًا فمات بسبب التعزير فعليه الضمان، وهو مذهب الشافعي، وقول لبعض المالكية.
الثالث: التفصيل بين ما إذا كان المعزّر يجزم بالسلامة أو يظنها عند الإقدام على التعزير، وبين ما إذا كان يظن عدم السلامة وأحرى إن جزم بذلك، فالأول لا ضمان عليه، وأما الثاني فعليه القود، وأما مع الشك فعليه الضمان وهو تفصيل لبعض المالكية.
القول الأول: ذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أن الإمام إذا عزر من يستحق التعزير فأدى إلى موته أو تلف شيء منه أنه لا ضمان عليه، وعللوا ذلك بأن الإمام مأمور شرعًا بأن يعاقب أرباب المعاصي، فكيف يأمره الشرع بذلك ثم يلزمه الضمان، وقال الأحناف أيضًا إن إتيان الواجب ليس مشروطًا فيه السلامة كالفصاد ونحوه، وكما علمنا من قبل فإن أصحاب هذا القول يذهبون إلى وجوب إقامة عقوبة التعزير على من استحقها.
قال ابن عابدين -رحمه الله-: [قوله"من حُدَّ أو عزر"أي من حده الإمام أو عزره كما في الهداية قوله"فدمه هدر"أي عندنا ومالك، وأحمد، خلافًا للشافعي، لأن الإمام مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة ... قلت: ومقتضى التعليل بالأمر أن ذلك غير خاص بالإمام، فقد مرَّ أن لكل مسلم إقامة التعزير حال مباشرة المعصية، لأنه مأمور بإزالة المنكر، إلا أن يفرق بأنه يمكنه الرفع إلى الإمام فلم تتعين الإقامة عليه، بخلاف الإمام] (1) .
وقال ابن نجيم -رحمه الله-: [قوله"ومن حد أو عزر فمات فدمه هدر"، لأنه فعل ما فعل بأمر الشارع، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة، كالفصاد والبزاغ، قال في ضياء الحلوم: ذهب دمه هدرًا أي باطلا ً ... وقد ظهر بهذا أن كل ضرب كان مأمورًا به من جهة الشارع، فإن الضارب لا ضمان عليه بموته، وكل ضرب كان مأذونًا فيه بدون الأمر فإن الضارب يضمنه إذا مات، لتقييده بشرط السلامة] (2) .
وقال الزيعلي بعد أن ذكر مذهب الشافعي في المسألة: [ولنا أن الحد والتعزير يجب عليه إقامته، إذ هو مأمور به، والواجب لا يجامع الضمان كالفصاد والبزاغ إذا لم يتجاوز المعتاد، وكما لو تترس الكفار بالمسلمين، بخلاف المرور في الطريق وضرب الرجل امرأته ونحو ذلك، لأنه مباح، فيتقيد بشرط السلامة، ولأنه فعله بأمر الشرع، فيكون منسوبًا إلى الآمر، فكأنه أماته حتف أنفه فلا يضمن] (1) .
وقال العلامة ابن فرحون: [وفي عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: إذا عزر الإمام إنسانًا فمات في التعزير، لم يضمن الإمام شيئًا لا دية ولا كفارة] (2) .
وقال محمد بن رشد: [وقد أمر مالكٌ صاحب الشُرَط في الذي وُجِد مع صبي في سطح وقد جرده وضمه إلى صدره وغلق على نفسه معه، فلم يشكوا في المكروه بعينه أن يضربه ضربًا مبرحًا، ويسجنه سجنًا طويلًا، حتى تظهر توبته وتتبين، فسجنه صاحب الشرط أيامًا قبل أن يضربه، فكان أبوه يختلف إلى مالك، ويتردد عليه ويقول: اتق الله فما خلقت النار باطلًا، فيقول مالك: أجل وإن الذي ألفي عليه ابنك لمن الباطل، ثم ضربه صاحب الشرط أربعمائة سوط، فانتفخ فمات، فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به، فقيل له يا أبا عبد الله إن مثل هذا من الأدب والعقوبة لكثير، فقال هذا بما أجرم، وما رأيت أنه أمسه من العقوبة إلا بما اجترم، وقال مطرف بن عبد الله في المبسوطة: الأدب إلى الحاكم، موكّل إلى نظره، يؤدب في ذلك باجتهاده، وإن أتى على النفس وإخراج الروح] (3) .
وقال البهوتي من الحنابلة: [ (ومن مات من التعزير) المشروع (لم يضمن) ، لأنه مأذون فيه شرعًا كالحد] (4) ، وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- ذاكرًا مذهب القائلين بالضمان وبعدمه مع بيان ما احتجوا به:[وإذا مات من التعزير لم يجب ضمانه، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، وقال الشافعي: يضمنه، لقول علي:"ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئًا إنّ الحقّ قَتَلَهُ إلا حد الخمر، فإن رسول الله r لم يسنه لنا"، وأشار على عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها.
ولنا أنها عقوبة مشروعة للردع والزجر فلم يضمن من تلف بها كالحد، وأما قول علي في دية من قتله حدّ الخمر، فقد خالفه غيره من الصحابة، فلم يوجبوا شيئًا به، ولم يعمل به الشافعي ولا غيره من الفقهاء، فكيف يحتج به مع ترك الجميع له، وأما قوله في الجنين فلا حجة لهم فيه، فإن الجنين الذي تلف لا جناية منه، ولا تعزير عليه، فكيف يسقط ضمانه؟ ولو أن الإمام حد حاملًا، فأتلف جنينها ضمنه، مع أن الحد متفق عليه بيننا على أنه لا يجب ضمان المحدود إذا أتلف به] (1) إلا أن بعض علماء الحنابلة قيده بما إذا لم يتعد ولم يسرف وكان ضربه ضربًا وسطًا معتادًا قدرًا وصفةً، أما إذا تعدى وتجاوز المعتاد فعليه الضمان قال ابن ضويان -رحمه الله-: [أو أدب سلطان رعيته ولم يسرف، أي يزد على الضرب المعتاد فيه، لا في العدد ولا في الشدة، فَهَدَرٌ في الجميع، نص عليه، لفعله ما له فعله شرعًا بلا تعدّ، أشبه سراية القود الحد، وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود فتلف بسببه ضمنه، لتعديه بالإسراف] (2) .
وقال البهوتي: [ومن أدب ولده، أو أدب امرأته في النشوز، أو أدب المعلم صبيه، أو أدب السلطان رعيته، ولم يسرف الأب، أو الزوج، أو المعلم، أو السلطان، فأفضى التأديب إلى تلفه، أي المؤدَّب، لم يضمن المؤدِّب، لأنه مأذون فيه شرعًا، فلم يضمن ما تلف به كالحد، وإن أسرف في التأديب، بأن زاد فوق المعتاد، أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له، من صبي غير مميز وغيره، كمجنون، ومعتوه، ضمن لأنه غير مأذون في ذلك شرعًا] (3) .
وقال الحطاب المالكي: [قال في الجواهر: والتعزير جائز بشرط سلامة العاقبة، فإن سرى ضمنت عاقلة المعزّر بخلاف الحد] (4) .
وممن ذهب إلى أن الإمام لا ضمان عليه فيما تلف بالتعزير العلامة الشوكاني -رحمه الله- حيث قال: [قوله: (ولا شيء فيمن مات بحد أو تعزير أو قصاص) ، أقول: الوجه في هذا واضح، لأن الله سبحانه شرع هذا وسوّغ لعباده استيفاءه، فإذا أفضى إلى الموت مع الاقتصار على ما شرعه الله سبحانه، لم يكن في ذلك ضمان، لأنه مات بشرع وجب عليه، فهو قتيل الشرع، وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن علي قال:"ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنه، فهو رضي الله عنه أخبر عما يجده في نفسه تورعًا منه] (1) "
القول الثاني: هو مذهب الشافعي -رحمه الله- حيث بين أن الإمام إذا عزر شخصًا فأدى ذلك إلى موته أنه يضمن، وتكون الدية إما على عاقلته أو في بيت المال، وقد مر معنا أن مذهب الشافعية هو عدم وجوب إقامة عقوبة التعزير إن كان حقًا لله.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله- مبينًا مذهبه وحججه فيما ذهب إليه من وجوب الضمان: [ولا يرفع عن أحد أصاب الآدميين العقل والقود في دار الإسلام إلا الإمام يقيم الحد، فإن هذا أمرٌ لازم ولا يحل له تعطيله، ولو عزر فتلف على يديه كانت فيه الدية والكفارة، وإن كان يرى أن التعزير جائز له، وذلك أن التعزير أدب لا حد من حدود الله تعالى، وقد كان يجوز تركه ولا يأثم من تركه فيه، ألا ترى أن أمورًا قد فعلت على عهد رسول الله r كانت غير حدود فلم يضرب فيها، منها الغلول في سبيل الله وغير ذلك، ولم يؤت بحد قط فعفاه ... فإن قال قائل: كيف يسقط عن الإمام أن يقتص في الجرح ويقطع في السرقة ويجلد في الحد فلا يكون فيه عقل ولا قود، ويكون الإمام إذا أدب - وله أن يؤدب - ضامنًا تلف المؤدب، قيل: الحد والقصاص فرض من الله عز وجل على الوالي أن يقيمه، فلا يحل له ترك إقامته، والتعزير كما وصفت إنما هو شيء وإن رأى بعض الولاة أن يفعله على التأديب لا يأثم بتركه، وقد قيل بعث عمر إلى امرأة في شيء بلغه عنها فأسقطت، فاستشار فقال له قائل: أنت مؤدب، فقال له علي رضي الله عنه: إن كان اجتهد فقد أخطأ، وإن كان لم يجتهد فقد غش، عليك الديةُ، فقال عزمت عليك لا تجلس حتى تضربها على قومك، وبهذا ذهبنا إلى هذا، وإلى أن خطأ الإمام على عاقلته دون بيت المال، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا، لأن الحق قتله، إلا من مات في حد الخمر، فإنه شيء رأيناه بعد النبي r ، فمن مات فيه فديته: إما قال على بيت المال، وإما قال عليَّ] (2) . وقال الإمام النووي -رحمه الله-: [أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد، فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي، فمات، فلا دية فيه ولا كفارة، لا على الإمام، ولا على جلاده، ولا في بيت المال، وأما من مات من التعزير، فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعي، أصحهما: تجب ديته على عاقلة الإمام، والكفارة في مال الإمام، والثاني بجب الدية في بيت المال، وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا، أحدهما: في بيت المال أيضًا، والثاني في مال الإمام، هذا مذهبنا، وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت المال والله أعلم] (1) ، وقال العلامة ابن فرحون: [مسألة: فإن عزر الحاكم أحدًا فمات أو سرى ذلك إلى النفس، فعلى العاقلة الثلث فأكثر ... وهذا بخلاف الحد، فلو مات المحدود فلا شيء على الإمام لأنه فعل ما أمره الله تعالى به] (2) .
القول الثالث: وهو التفصيل بين ما إذا أقدم على عقوبة التعزير وهو يجزم بالسلامة أو يظنها فمات المعزّر فلا ضمان عليه، وبين ما إذا كان يظن عدم السلامة أو يجزم بذلك فمات المعزر بذلك فعليه القود، وأما إن شك مُنع ابتداء من التعزير فإن أقدم وأدى إلى تلف المعزر فعليه الضمان، وهذا التفصيل ذكره بعض المالكية،
قال الدردير: [ (وإن زاد على الحد) بالجلد كأن يزيد عن المائة سوطًا، (أو أتى على النفس) بأن أدى للموت، فلا إثم عليه، ولا دية، إذا لم يقصد ذلك، وإنما قصد التشديد فيما يقتضي التشديد، كَسَبْ الصحابة، أو آل البيت، ونحو ذلك فأدى إلى الهلاك، فإن ظن عدم السلامة، أو شك مُنع (وضمن) في الشك (ما سرى) على نفس، أو عضو، أو جرح، أي ضمن دية ما سرى، لكن على العاقلة، وهو كواحد منهم، وأما لو ظن عدم السلامة، وأولى إن جزم فالقود، والحاصل: أنه إن ظن السلامة فخاب ظنه فهدر عند الجمهور، وإن ظن عدمها فالقصاص، وإن شك فالدية على العاقلة، وهو كواحد منهم، وسواء في الثلاثة الأقسام شهد العرف بالتلف منه أم لا، هذا هو الراجح، ويعلم الظن والشك من إقراره، ومن قرائن الأحوال، قال الدسوقي في حاشيته عليه: قوله (وإن زاد على الحد إلخ) أي وإن زاد الضرب بالسوط على الحد المصور بالجلد، والحاصل: أن الإمام إذا أداه اجتهاده إلى أن يعزره بما يزيد على الحد، ولا يأتي على النفس، كمائتي سوط، أو بما يأتي على هلاكه كألف كرباج مثلًا، فإنه يفعله، ويجوز له القدوم على ذلك، ولا ضمان عليه إذا مات حيث لم يظن الهلاك ابتداء، بل ظن سلامته أو جزم بها، وأما إن لم يظنها ولم يجزم بها، فإنه يمنع من التأديب بما يأتي على النفس، فإن فعل ضمن النفس قودًا إن جزم بعدمها، أو ظن عدمها، وإن شك في السلامة وعدمها فالدية على عاقلته ... قوله: (شهد العرف بالتلف) أي بأن قال أهل المعرفة: إن هذا الفعل ينشأ عنه التلف، ولا تنافي بين ظن الإمام السلامة، مع قول أهل المعرفة إنه ينشأ عنه تلف أو عيب، لأنه قد يخيب ظنه] (1) .
قال العلامة علي العدوي ناقلًا عن بعض علماء المالكية التفصيل المذكور مع بعض الزيادات والاختلافات:[المسائل ثلاث: الأولى: أن يفعل مع ظن السلامة، وينشأ عنه ما فيه هلاك أو عيب، وفي هذه الحالة يجوز له الإقدام على الفعل، وأما الضمان فاختلف فيه، فقيل لا ضمان عليه مطلقًا، سواء قالت أهل المعرفة أنه ينشأ عن فعله هلاك أو عيب أو لا، وهو ما يفيده ما في النوادر والعتبية، وقال في التوضيح إنه قول الجمهور، وهو الموافق لما في تت.
الثانية: أن يفعل مع ظن عدم السلامة، وينشأ عنه الهلاك أو عيب، وفي هذه الحالة لا يجوز الإقدام على الفعل، فإن فعل اقتص منه مطلقًا، أي سواء قالت أهل المعرفة أنه ينشأ عنه هلاك أو عيب أو لا، كما يفيده كلام ابن مرزوق، وكلام تت يقتضي أنه يضمن في هذه الحالة الدية وفيه نظر كما نبه عليه بعض المحشين.
الثالثة: أن يفعل مع الشك في السلامة وعدمها، وينشأ عنه هلاك أو عيب، فلا قصاص عليه ويضمن الدية، أي على العاقلة، والإمام كواحد منهم لأنه لا قصاص بالشك] (2) .
وقال الدردير في الشرح الصغير: [ (وإن زاد) التعزير (على الحد) بالجلد، كأن زاد على مائة (أو أتى على النفس) : بأن نشأ عنه موت، فلا إثم ولا دية (إن ظن السلامة) من فعله، وإنما قصد التشديد لما صدر منه كسب الصحابة، (وإلا) يظن السلامة، فإن شك مُنِع و (ضمن) ما سرى على نفس أو عضو: أي ضمن الدية على العاقلة، وهو كواحد منهم، فإن ظن عدم السلامة فالقود، فتحصل أنه إن ظن السلامة فخاب ظنه، وسرى لموت أو عضو فهدر، وإن ظن عدمها فالقصاص، وإن شك فالدية على العاقلة، هذا هو الراجح، ويعلم ظن السلامة أو الشك من إقرار الحاكم ونحوه وقرائن الأحوال] (1) .
أما بالنسبة للأدلة التي اعتُمد عليها في هذه المسألة ومرجع الخلاف ومنشؤه بين العلماء فهي:
الأول: أثر علي رضي الله عنه، فعنه أنه قال: [ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله r لم يسنه] (2) ، وقد استدل من أوجب الضمان على الإمام إن هو أتلف في التعزير بهذا الأثر، حيث حمل قول علي رضي الله عنه: [فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله r لم يسنه] على مطلق العقوبات التعزيرية التي لم يأت فيها شيء مؤقت وملزم من الشرع، وإنما كانت صادرة عن اجتهاد الإمام ونظره، ولهذا استثناها علي رضي الله عنه من الحدود المقدرة الثابتة كحد الزنى، وحد القذف، وحد السرقة، قال الإمام الصنعاني -رحمه الله- عن أثر علي رضي الله عنه: [فيه دليل على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو من باب التعزيرات، فإن مات ضمنه الإمام وكذا كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الإمام وإلى هذا ذهب الجمهور] (3) ، وعجيب ما حكاه الصنعاني هنا عن الجمهور من أنهم يقولون بالضمان في موت المعزر بالتعزير، إذ ما ذكره أكثر العلماء وما هو معروف من مذاهبهم أن من مات بالتعزير فلا ضمان على الإمام فيه، وقد نقل هو نفسه طرفًا من كلام الإمام النووي الذي نص فيه على أن جماهير العلماء على خلاف ما ذهب إليه الشافعية، ومثل ذلك أيضًا ما ذكره الإمام الشوكاني وذكر القولين وأطلقهما فقال: [أما من مات بتعزير فذهب الجمهور إلى أنه يضمنه الإمام، وذهبت الهادوية إلى أنه لا شيء فيه كالحد، وحكى النووي عن الجمهور من العلماء أنه لا ضمان فيمن مات بتعزير لا على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال، وحكي عن الشافعي أنه يضمنه الإمام ويكون على عاقلته] (4) ، وقول الإمام الصنعاني عن حد الخمر: [فهو من باب التعزيرات] إن كان يقصد ما زاد على الأربعين فالخلاف جار فيه بين العلماء سواء في اعتباره حدًا، أم في إيجاب الضمان على الإمام إن تلف المحدود بما زاد على الأربعين، أما إن تلف بالأربعين فما دونها فلا خلاف بين العلماء أنه لا ضمان على الإمام في ذلك، وهو إجماع عام شامل لكل الحدود الثابتة المقدرة كما نقله غير واحد من العلماء، وقد اعتبر الإمام الصنعاني -رحمه الله- دلالة قول علي صريحة في إيجاب الضمان حيث قال في رده على الهادوية الذين حملوا قول علي على الاحتياط لنفسه: [وتأويلهم لقول علي عليه السلام ساقط، فإنه صريح في أن ذلك واجب لا من باب الاحتياط، ولأن في تمام حديثه لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنه] (1) ، وقريب مما نقله عن الهادوية ما رجحه الإمام الشوكاني حيث حمله على الورع فقال: [وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن علي قال:"ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنه، فهو رضي الله عنه أخبر عما يجده في نفسه تورعًا منه] (2) ."
فانظر ما بين قولي هذين الإمامين الجليلين من الفرق والبعد، هذا يعتبره صريحًا في الإيجاب، وهذا يجعله لا دلالة له على ذلك وإنما هو إخبار عما يجده في نفسه وأداؤه للدية تورعًا واحتياطًا، ومثل هذه الاجتهادات تبين لك أن الأفهام مراتب، والإدراكات منازل، ومجال الاجتهاد إن كان منضبطًا بالقواعد والأصول انضباطًا تامًا واسع، هذا والذي يظهر ويتبادر إلى الفهم من كلام علي رضي الله عنه هو ما ذكره الإمام الشوكاني -رحمه الله-، فمجمل ما اشتمل عليه الأثر ثلاثة أمور:
أولها: أن من مات في حد من الحدود الواجبة المقدرة فلا ضمان على الإمام فيه، وأن هذا القسم لا يجد عليٌّ رضي الله عنه منه شيئًا في نفسه، ويوضح هذا ما جاء صريحًا في بعض الروايات كما في أبي داود عن علي رضي الله عنه قال: [لا أَدِي أو ما كنت لِأَدِي من أقمت عليه حدًا] ، وعند النسائي بلفظ: [من أقمنا عليه حدًا فمات منه فلا دية له] ، وهذا القدر متفق عليه بين العلماء.
ثانيها: أن عليًا رضي الله عنه يجد في نفسه إن حدّ شارب الخمر فمات، وذلك محمول على ما زاد عن الأربعين، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: [ومعنى أجد: من الوجد، وله معانٍ اللائق منها هنا الحزن] (1) ، والذي يظهر من سياق الكلام - والله أعلم - أن ما يجده عليٌّ هو الحرج الذي يحيك في صدره وليس مجرد الحزن، لأنه رتب على ما يجده في نفسه حكمًا، وأنتج عنه فعلًا، وبنى عليه أمرًا، وهو دفع الدية، وإنما دَفعَ الدية ليُزيل ويرفع ما يجده في نفسه، ومجرد الحزن الناتج عن موت المحدود لا يرتفع بمثل هذا، أما الحرج الواقع في النفس فيمكن رفعه ومحوه عنها بدفع الدية، لا سيما وقد بين السبب الذي جعله يجد في نفسه ما يجد وهو الفقرة الآتية.