تبين لنا فيما سبق أن الديار التي تحكم اليوم بالقوانين الوضعية والنظم الجاهلية والآراء البشرية وتلزم الناس بالتحاكم إليها واللجوء إلى محاكمها هي ديار كفر وردة، وقد ذكرنا من الأدلة وأقوال العلماء ما يغني عن الإعادة، كما أوضحنا أن المقصود بالحدود التي نريد البحث في حكم إقامتها في تلك الديار هي العقوبات المقدرة كحد الزنا والقذف والسرقة والردة وشرب الخمر، والموضوع بمجمله أكثر التصاقًا بالجماعات الإسلامية وخصوصًا الجهادية منها والتي تسعى بمجموعها لإقامة دين الله تعالى وإعادته إلى تلك البلاد، فمبنى هذا البحث أننا وكما نعلم أن الحدود قد عطلت وألغيت في تلك الديار، وإن أقيم منها شيء فهو بقيود وحدود ما أنزل الله بها من سلطان، أو بقدر يكفي للتلبيس وإقناع السذج بشرعية تلك الأنظمة لينتصبوا للدفاع عنها وإسباغ الشرعية عليها، أو بما يكفل الحفاظ على الكراسي والعروش فقط، وليس استسلامًا وانقيادًا وإذعانًا لأمر الله تعالى، ولا تعظيمًا وتوقيرًا وتقديمًا لأحكامه، ولذا تراهم يتخيرون من الأحكام ما يشاءون ويدعون ما يريدون، وما أقاموه منها فعلى مضض وكره، ولأنهم رأوا أن مصلحة إقامتها تكفل لهم البقاء في الحكم والاستمرار في استئصال شأفة الإسلام، ودليل ذلك أن الاختيار يكون على العقوبات الرادعة التي يمكن إنزالها على من يتجرأ على انتقاد أو معارضة أو فضح تلك الأنظمة، فكلما أراد نظام من هذه الأنظمة المرتدة التنكيل والتشريد بمن يعارضه من المسلمين ورغب في إسباغ الشرعية على عقوبة القتل المنزلة عليهم فزعوا إلى قول الله تعالى:] إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ[ (المائدة: 33) ، ولا ترى من أحكام هذه الآية إلا القتل الذي اتخذ ذريعة وجعل وسيلة لحفظ الأنظمة والعروش، فهم صيروا هذه الأحكام - التي جاءت رحمة للعالمين - ألعوبة تتقاذفها أهواؤهم يتخيرون منها ما يشاءون.
وإذا كان كلام العلماء الأوائل حول هذه المسألة منصبًا في الأغلب على إقامة الحدود على الجند الضاربين في دار الحرب، فإنهم أيضًا تعرضوا لحكم من ارتكب موجبًا من موجبات الحدود في دار الحرب من عامة المسلمين، وهل يقام عليهم الحد أم لا؟، وهذه الصور التي أشار إليها الفقهاء من قبلُ على وجه الإيجاز والاختصار إنما كانت آنذاك صورًا استثنائية قليلة الوقوع، إذ إن تعلقها إنما هو بأفراد معدودين محدودين، أما اليوم وقد صارت الدولة والصولة للمرتدين، وهم متحكمون في رقاب المسلمين، وملزمون لهم بالتحاكم للقوانين الجاهلية، فالمسلمون تحت سلطانهم وفي قبضتهم، وهذه الديار - التي هي ديار كفر وردة - هي أماكن إقامتهم وسكناهم فهذه صورة أخرى، لا سيما وهؤلاء الحكام يحاربون كل من دعا لتحكيم شريعة الله سبحانه وإقامة أحكامه - والتي منها إقامة الحدود - ولا يقبلون إلا الانقياد والرضا والإذعان لتلك القوانين التي سنوها وشرعوها، فلا هم أقاموا أحكام الله وشرائعه ولا تركوا من يقيمها، بل لم يقنعوا إلا باستسلام الخلق لأحكامهم وانتظامهم في سلكهم أو بقتالهم ومحاربتهم وتشريدهم ما داموا داعين للحق رافضين لشرائعهم الوضعية الوضيعة، فهذه شريحة من المسلمين - وهم الأكثر - ممن ينبغي أن يعرف حكم إقامة الحدود عليهم في مثل هذه الظروف ومع كل الملابسات التي ذكرنا، وإن كان هذا البحث ليس مقصودًا به هؤلاء أصالة ولكن قد أتعرض لذكرهم تبعًا وإيجازًا والله المستعان.
وفي الوقت نفسه هناك جماعات تسعى لإقامة دين الله في تلك الديار وإعادة الحق لها، ونزع السلطة من الأنظمة الطاغوتية المتسلطة على رقاب الناس، ونخص من هذه الجماعات في هذا الموضع الجهادية، لأنها تمثل في حقيقتها الجيوش التي تكلم الفقهاء على إقامة الحدود على أفرادها، وهي أقربها وألصقها بتلك الصور، ولكن ما يشوب هذا التشبيه أن تلك الجيوش كانت مستقلة متميزة عن الكافرين وديارهم، وذلك لأنها تنطلق من دار الإسلام، ومآلها هو الرجوع إليها، أما اليوم فإن هذه الجماعات تتحرك في وسط متداخل وواقع صعب، فإقامة أفرادها هي في وسط هذه الدول التي يحاربونها، وحركاتهم وسكناتهم ومساكنهم تحت المراقبة والمتابعة والرصد، وهم عرضة للمطاردة والاعتقالات بمجرد شعور الأنظمة بانتمائهم لهذه الجماعات، فهذه الأمور كلها وغيرها مما هو معلوم من الواقع اليوم لا بد من وضعها في الاعتبار والعناية بمعرفة مدى تأثيرها في الحكم الشرعي وملاحظتها ملاحظة حقيقية عند نقل كلام العلماء في هذه المسألة، فتطبيق الحكم والوصول إلى نتيجة صحيحة في تقريره وإقامته ليست متوقفة فقط على إثباته من حيث الأدلة الشرعية المجردة المعزولة عن الواقع، بل يتحتم التنبه إلى الشق الآخر وجعله جزءًا لا ينفك عن الفتوى والذي هو معرفة مدى ارتباط الحكم المقرر بالواقع الذي يراد إنزاله عليه، وما هي إمكانية تطبيق هذه الأدلة على الواقع.
إذا تبين هذا فسنذكر أولًا الأقوال المتعلقة بإقامة الحدود على من ارتكب موجبًا من موجباتها من الجند مجملة ثم نردفها بذكر أدلة كل قول مع محاولة التوصل إلى الراجح منها، وكما قلت فإن كلام الفقهاء منصب على ما إذا خرج الجيش غازيًا في دار الحرب، وبما أن الجماعات الجهادية اليوم تعيش في ديار الحرب وتتنقل فيما بينها فمبنى الكلام إذًا على إقامة الحدود بين أفراد الجماعات في هذه الديار:
القول الأول: أن الحد يقام على من ارتكبه من الجيش إذا خرج معهم الإمام أو من فوض إليه إقامة الحدود من القادة، وإن لم يكن معهم سقط الحد مطلقًا فلا يقام ولو بعد الرجوع إلى دار الإسلام.
القول الثاني: يجب إقامة الحد على من ارتكبه في دار الحرب، كما يقام عليه في دار الإسلام تمامًا، وسواء كان الإمام خارجًا مع الجيش أم لا.
القول الثالث: من ارتكب حدًا من الجند في دار الحرب فلا يقام عليه حتى يرجع إلى دار الإسلام.
القول الرابع: أن من ارتكب حدًا فلا يسقط عنه تمامًا بل يؤجل حتى يرجع إلى دار الإسلام، ثم إن أتى من الأعمال الصالحات كالنكاية في العدو والثبات في القتال ما يغلب سيئاته، وظهر منه صدق التوبة فإن الحد يسقط عنه كلية فلا يقام عليه لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام، فالأصل إقامة الحد بعد الرجوع إلى دار الإسلام إلا إن حصل من مرتكبه ما ذكرنا فإنه يهدر في حقه.
فهذه هي الأقوال مجملة، والآن نشرع في ذكر تفاصيل ما احتج به أصحاب كل قول:-
القول الأول: أن الحد يقام على من ارتكبه من الجيش إذا خرج معهم الإمام أو نائبه الذي فوض إليه إقامة الحدود من أمراء الأمصار، وإن لم يكن معهم أحدهما سقط الحد مطلقًا، فلا يقام على من أتى موجبه لا في دار الحرب ولا بعد الرجوع إلى دار الإسلام، وهذا هو مذهب الأحناف، وخلاصة ما ذكروه في هذه المسألة يتمثل في صورتين أساسيتين:
الأولى: أن يدخل الجيش دار الحرب ويكون معهم الإمام أو أحد أمراء الأمصار ممن لهم إقامة الحدود نيابة عن الإمام ففي هذه الصورة ينظر: إذا زنى أو سرق الجندي وهو في الجيش ولم ينفصل عنه ففي هذه الحالة يجب على الإمام أو نائبه من ولاة الأمصار إقامة الحد عليه ولو كان في دار الحرب، ولا ينتظر حتى يقدم إلى دار الإسلام، أما إذا انفصل أحد الجنود عن الجيش - وهم في دار الحرب - ثم ارتكب ما يوجب الحد في أصله كالزنا أو السرقة ونحو ذلك ففي هذه الصورة لا يقام عليه الحد، لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام.
الثانية: أن لا يكون الإمام أو أحد أمراء الأمصار - ممن لهم إقامة الحدود - خارجًا في الجيش، ففي هذه الحالة لا تقام الحدود على الجند مطلقًا لا في دار الحرب ولا بعد الرجوع إلى دار الإسلام، وهذا سواء ارتكب داخل الجيش، أو بعد الانفصال عنه.
وفي هذا يقول الإمام السرخسي -رحمه الله-: [وكذلك سرية من المسلمين دخلت في دار الحرب، فزنى رجل منهم هناك، أو كانوا عسكرًا، لأن أمير العسكر والسرية إنما فوض إليه تدبير الحرب، وما فوض إليه إقامة الحدود، وأما إذا كان الخليفة غزا بنفسه، أو كان أمير مصر يقيم الحدود على أهله، فإذا غزا بجنده فإنه يقيم الحدود والقصاص في دار الحرب، لأن أهل جنده تحت ولايته، فمن ارتكب منهم منكرًا موجبًا للعقوبة يقيم العقوبة كما يقيمها في دار الإسلام، هذا إذا زنى في المعسكر، وأما إذا دخل دار الحرب وفعل ذلك خارجًا من المعسكر لا يقيم عليه الحد بمنزلة المستأمن في دار الحرب] (1) ، وقال العلامة الكاساني -رحمه الله-: [وكذلك لو كان أميرًا على سرية أو أمير جيش وزنا رجل منهم أو سرق أو شرب الخمر أو قتل مسلمًا خطأ أو عمدًا لم يأخذه الأمير بشيء من ذلك، لأن الإمام ما فوض إليه إقامة الحدود والقصاص لعلمه أنه لا يقدر على إقامتها في دار الحرب، إلا أنه يضمنه السرقة إن كان استهلكها ويضمنه الدية في باب القتل، لأنه يقدر على استيفاء ضمان المال، ولو غزا الخليفة أو أمير الشام ففعل رجل من العسكر شيئًا من ذلك أقام عليه الحد، واقتص منه في العمد وضمنه الدية في ماله في الخطأ، لأن إقامة الحدود إلى الإمام، وتمكنه الإقامة بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش وانقيادها له فكان لعسكره حكم دار الإسلام، ولو شذ رجل من العسكر ففعل شيئًا من ذلك درء عنه الحد والقصاص لاقتصار ولاية الإمام على المعسكر] (2) ، وقال الإمام أبو يوسف صاحب صاحب أبي حنيفةبص -رحمهما الله-: [باب إقامة الحدود في دار الحرب: قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: إذ غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر والشام والعراق أو ما أشبه فيقيم الحدود في عسكره] (1) ، وفي السير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: [باب إقامة الحدود، قلت: أرأيت الجند إذا غزوا أرض الحرب وعليهم أميرهم هل يقيم الحدود في عسكره؟ قال: لا، قلت: فإن كان أمير مصر من الأمصار أو أمير الشام أو أمير العراق غزا أرض الحرب أيقيم الحدود في عسكره ذلك والقصاص؟ قال: نعم، قلت: أفيقطع اليد في السرقة ويحد حد القذف؟ قال: نعم، قلت حد الزنا وحد الخمر؟ قال نعم، قلت: فإذا كان أمير جيش وليس بأمير شام ولا أمير عراق وهو خمسة آلاف أو أربعة آلاف هل يقيم شيئا مما ذكرت لك؟ قال: لا، قلت: وكذلك أصحاب السرايا لا يقيمون شيئا من الحدود؟ قال: نعم أهـ] (2) ، فكلمة الأحناف تكاد تكون متفقة على هذا المعنى، وهو إقامة الحدود في العسكر إذا كان الإمام أو أمير مصر من الأمصار خارجًا معهم في غزوهم لدار الحرب وارتُكب موجب الحد داخل الجيش، وعدم إقامتها في الجند إذا كانت سرية أو جيشًا ليس فيه الإمام أو أمير من أمراء الأمصار، وكذا إذا كان الإمام مع الجيش إلا أن من أتى موجب الحد لم يرتكبه داخل عسكره وإنما شذ عنه إلى دار الحرب وارتكبه ثمة.
هذا وقد جوز بعض علماء الأحناف للإمام - في الصورة التي له إقامة الحد فيها - أن يؤخر إقامته على مرتكبه إذا خشي من ارتداده أو لحوقه بدار الحرب إذا هو أقامه عليه، فيؤجله إلى حين قفوله إلى دار الإسلام وانفصاله عن دار الحرب: جاء الفتاوى الهندية: [وإن كان الخليفة قد غزا بنفسه، أو أمير مصر كان يقيم الحدود على أهله غزا بجنده، يقيم الحدود والقصاص في دار الحرب وهذا إذا زنى بالعسكر، فأما إذا لحق بأهل الحرب وفعل ذلك لا يقام عليه الحد، قالوا: وإنما يقيم هذا الأمير الحد في عسكره إذا كان يأمن على الذي يقيم عليه الحد أن لا يرتد ولا يلحق بالكفار، وأما إذا كان يخاف عليه الارتداد واللحاق فإنه لا يقيم عليه الحد حتى ينفصل عن دار الحرب ويصير في دار الإسلام] (3) ، وهذه الأقوال التي ذكرناها كلها تختص بالغزاة، إلا أن الحكم لا يختلف عند الأحناف بالنسبة لعموم المسلمين الآخرين، فمن زنى أو سرق أو شرب الخمر في دار الحرب فلا يقام عليه الحد مطلقًا لا في دار الحرب ولا بعد رجوعه إلى دار الإسلام، وسواء كان ثبوت ذلك عليه عند الإمام بإقرار أو ببينة، وفي هذا يقول الكاساني -رحمه الله-: [فصل: وأما الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين فأنواع، منها أن المسلم إذا زنا في دار الحرب، أو سرق، أو شرب الخمر، أو قذف مسلمًا لا يؤخذ بشيء من ذلك، لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية، ولو فعل شيئًا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضًا لأن الفعل لم يقع موجبا أصلا] (1) ، وقد استدلوا لمذهبهم هذا بعدة أدلة من السنة ومن آثار الصحابة فمن ذلك:
*حديث: [لا تقام الحدود في دار الحرب] ، يكثر الاستدلال بهذا الحديث في كتب فقه الأحناف على إسقاط الحدود في دار الحرب، وهو عندهم عمدة في المسألة، لذلك يتم التصدير به عند التدليل للمذهب، قال الإمام السرخسي-رحمه الله- عند ذكره للأدلة واحتجاجه لهذه المسألة ورده على من خالفهم: [ولكنا نستدل بقوله r:"لا تقام الحدود في دار الحرب"، والمعنى فيه أن الوجوب - أي وجوب إقامة الحد - لا يراد لعينه، بل للاستيفاء وقد انعدم المستوفي، لأنه لا يملك إقامة الحد على نفسه، وليس للإمام ولاية على من في دار الحرب ليقيم عليه الحد، فامتنع الوجوب لانعدام المستوفي وإذا لم يجب عليه حين باشر السبب لا يجب بعد ذلك وإن خرج إلى دارنا] (2) ،والحديث المذكور مع ضعفه (3) ، فقد تكرر الاحتجاج به في جل كتب الأحناف عند بحثهم لمسألة إقامة الحدود في دار الحرب، أما عن وجه الدلالة فيه فقد حملوا قوله:"لا تقام"على معنى لا تجب، أي لا تقع واجبة في دار الحرب، وذلك حتى يسقط الوجوب من أصله فيكون من زنى أو سرق أو قتل في دار الحرب لم يأت بالموجب كاملًا وإنما ألجأهم إلى هذا التأويل - مع ما فيه من التكلف - قولهم بأن الحد لا يقام حتى بعد الرجوع إلى دار الإسلام، ففي هذا يقول البابرتي مبينًا جهة الدلالة في الأثر المذكور: [ووجه التمسك به أنه r لم يرد به حقيقة عدم الإقامة حسًا، لأن كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحد في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها، فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد] (1) ، ونظير ذلك ما نقله العيني عن الكاكي حيث قال: [وجه التمسك بحديث الكتاب أنه r حقق عدم الإقامة لانقطاع ولاية الإمام عنها فكان المراد من عدم الإقامة عدم وجوب الحد] (2) ، وهذا التأويل مع بعده والتكلف فيه لأنه خلاف ظاهر اللفظ فإنهم قد ناقضوا أنفسهم حيث أوجبوا على الإمام أو أمراء الأمصار إذا كانوا في الجيش أن يقيموا الحدود على من ارتكبها داخل عسكرهم وإن كانوا في دار الحرب، وهذا بلا شك إقامة للحدود فيها بغض النظر عن الملابسات والتعليلات التي ذكروها، وللخروج من هذا المضيق فرقوا بين ما إذا ارتكب موجب الحد بين الجيش أو خرج عنه وشذ إلى أهل الحرب، فأقاموه على الأول وأسقطوه عن الثاني محتجين بأن الجيش بالنظر إلى مجموعه - مع وجود الإمام - في حكم دار الإسلام، ولهذا قال في الهداية: [ولو غزا من له ولاية الإقامة بنفسه كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على من زنى في معسكره، لأنه تحت يده، بخلاف أمير العسكر والسرية لأنه لم يفوض إليهما الإقامة] ، وقال الكاساني: [ولو غزا الخليفة أو أمير الشام ففعل رجل من العسكر شيئا من ذلك - أي موجب حد أو قصاص - أقام عليه الحد واقتص منه في العمد وضمنه الدية في ماله في الخطأ، لأن إقامة الحدود إلى الإمام وتمكنه الإقامة بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش وانقيادها له، فكان لعسكره حكم دار الإسلام، ولو شذ رجل من العسكر ففعل شيئًا من ذلك درء عنه الحد والقصاص لاقتصار ولاية الإمام على المعسكر] (3) ، وفي الرد على استدلال الأحناف بهذا الأثر يقول بكر أبو زيد-وفقه الله-:[وهذا الاستدلال مناقش بما يلي: أن الاستدلال به على خلاف الدعوى، فإن مذهب أبي حنيفة سقوط الحد بشرط أن لا يكون الإمام مع المعسكر، والحديث لا إشارة فيه إطلاقًا إلى وجوب إقامة الحد مع وجود الإمام في المعسكر بدار الحرب بل ينافيه.
أن هذا الحديث لا تثبت به دعوى سقوط الحد من أصلها لأن عدم إقامة الحد في دار الحرب لا تستلزم سقوطه، بل تحتمل التأخير إلى القفول من الغزو، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، بل إن معناه في تأخير الحد أظهر ويدل عليه أقضية الصحابة رضي الله عنهم] (1) .
والخلاصة: أن الحديث الذي استندوا إليه لا يصح الاستدلال به لا من حيث الثبوت ولا المعنى لما علم من ضعفه من جهة ومناقضته ومنافاته لبعض ما ذهبوا إليه من جهة أخرى، وذلك لأن التخصيص من غير دليل تحكم محض، ومن ذلك استثناء الإمام أو أمراء الأمصار من العموم إذ أن الجيش - وإن كان فيه الإمام - ما لم يقفل من غزوه إلى دار الإسلام - فيقال إنه في دار الحرب وهو الموضع الذي نهى الحديث عن إقامة الحدود فيه.
* أما استدلالهم بآثار الصحابة فمنها الأثر الذي يروى عن عمر رضي الله عنه في ذلك، ففي الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف قال: [حدثنا بعض أشياخنا عن ثور بن يزيد عن حكيم بن عمير أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه وإلى عماله ألا يقيموا حدًا على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة] (2)
وهذا الأثر استدل به الإمام أبو يوسف في رده على الأوزاعي الذي يقول بأن الإمام أو أمير المصر أو قائد الجند يجب عليهم أن يقيموا الحدود كلها على من ارتكب موجبها من الجند في دار الحرب، واستثنى - أي الأوزاعي - من ذلك القطع فإنه قال يؤجل حتى يقفلوا إلى دار الإسلام، ودلالة الأثر لا توافق ما ذهبوا إليه، لأن عمر قد نص على تأخير إقامة الحد حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة، وليس فيه إسقاطه كلية، وهذا يعني أنه حين يسرق أو يزني أو يقتل قد أتى ما يوجب الحد أو القصاص خلافًا لقولهم، فعمر لم يقل بإسقاطه تمامًا كما هو مذهبهم بل بتأخيره فقط، ولا يوجد في الأثر إشارة إلى اشتراط وجود الإمام أو أمير المصر في الجيش، وليس في كلام عمر أدنى إشارة إلى أن إقامة الحد على الجيش موكول للإمام أو أمير المصر دون قادة الجند، وهذه الآثار إن صحت فإنها تدل دلالة صريحة على خلاف ما ذهب إليه الأحناف من أن إقامة الحدود على الجنود إنما هي للإمام أو أمير الأمصار فحسب، وأن من ارتكب موجبًا لها وعليه أمير سرية أو جيش فإن الحد ساقط عنه، فهي قد تواطأت على قول عمر: [لا يجلدن أمير جيش ولا سرية] ، فقد جعل لأمراء الجيوش والسرايا إقامة الحدود، وإنما أمرهم بتأخيرها إلى أن يقطعوا الدرب راجعين، فهو صريح في عدم سقوطها مطلقًا، وعلل ذلك بالخشية من أن تأخذه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، وهذه العلة ليست مقتصرة على السرايا والجيوش التي يقودها من هو دون الإمام أو أمير مصر، بل حمية الشيطان والغضب للنفس واللحاق بدار الحرب يمكن أن تقع ولو كان الإمام أو أحد أمراء الأمصار على الجيش.
* واستدلوا أيضًا بما نسب للنبي r أنه قال: [إذا هرب الرجل وقد قتل أو زنى أو سرق إلى العدو ثم أخذ أمانا على نفسه فإنه يقام عليه ما فر منه، وإذا قتل في أرض العدو أو زنى أو سرق ثم أخذ أمانا لم يقم عليه شيء مما أحدث في أرض العدو] (1)